حضرة الباب - المبشّر بحضرة بهاءالله (١٨١٩-١٨٥٠)

شهدت السنوات الأولى من القرن التاسع عشر فترة ترقب فيها العالمان الإسلامي والمسيحي عودة المسيح المنتظر. ففي بلاد فارس ظهر عالمان دينيان مرموقان هما الشيخ أحمد الأحسائي وتلميذه وخليفته السيد كاظم الرشتي حيث قاما بنشر أفكار ومفاهيم ابتعدت بشكل كبير عن عقيدة الشيعة الإمامية التقليدية. وإلى جانب تفسيرهما القرآن الكريم بأسلوب مجازي أكثر منه لفظياً فقد أعلنا أنّ عودة الإمام المهدي المنتظر والمنصوص عليه أصبحت وشيكة الحدوث وعرف تلاميذهما "بالشيخيين." اجتذبت أفكارهما جموعاً غفيرة من الناس وأشاعت جواً من الترقب شبيه بمجموعة معاصرة من المسيحيين مثل أتباع ميلر في أوربا وأمريكا الذين كانوا في نفس الزمن بانتظار رجوع المسيح بكل شوق وشغف.
قبل وفاة السيد كاظم الرشتي عام ١٨٤٣م دعا تلاميذه ومريديه إلى الانتشار والبحث عن الموعود المنتظر الذي سيظهر قريباً. وكان يشير في أحاديثه إلى أن سنة الظهور طبقاً للتقويم الإسلامي هي ١٢٦٠ هجرية أي بالضبط بعد ألف سنة شمسية كاملة من اختفاء الإمام الغائب.
أما بالنسبة لأحد زعماء الشيخية وهو الملا حسين فإنّ هذا البحث قد انتهى في مدينة شيراز في بلاد فارس يوم ٢٣ من شهر مايو (أيار) عام ١٨٤٤م عندما قابل شاباً يدعى سيد علي محمد (سيد لقب يطلق على من هم من نسل الرسول محمد عليه السلام) وهو الذي أعلن أنَّه الشخص الموعود الذي ينتظره الشيخيون. هذه الدعوة ذكرت في كتاب مطوَّل سمِّي "بقيوم الأسماء" والذي نزل من قلمه المبارك في تلك الليلة الميمونة واعتبر بعد ذلك من صلب العقيدة البابية. ففي كتاب قيوم الأسماء يُعَرِّف سيد علي محمد نفسه بالرسول السماوي وأنَّه في مصاف الأنبياء والرسل السابقين مثـل سيدنا المسيح ومحمد والذين سبقوهما. وفي آثاره الكتابية اللاحقة أشار إلى نفسه بالباب وهو لقب تعارف عليه المسلمون. ويبدو واضحاً من الكلمة أنَّه اختار لنفسه هذا اللقب من أجل هدف روحاني يختلف تماماً عن المعني الذي ارتبط به في السابق. يثير خصوم الدين البهائي عادة قضية أنّ مفهوم دعوة حضرة الباب قد تطوّر وترقى في ذهن حضرته بشكل تدريجي. ويمكن أن يكون ذلك نتيجة سلسلة الانتصارات التي أحرزها. ولكن هذا الأمر ليس صحيحاً حيث أن إن ما قاله حضرة الباب في أول مرة أعلن فيها دعوته للملا حسين بشروئي وصف نفسه بأنه رسول سماوي وأنه أيضاً "ذكر الله" و"بقية الله" وهي ألقاب كانت خاصة بالإمام المهدي المنتظر. هذا الادعاء الجريء كان واضحاً لأصحابه وأعدائه على السواء. من المؤمنين الأوائل بحضرته كان الملا علي بسطامي الذي ترك بلاد فارس بعد أن آمن بحضرة الباب في عام ١٨٤٤م وأخذ معه نسخة من كتاب "قيوم الأسماء" وقد ألقي القبض عليه فور وصوله بغداد بتهمة الزندقة والارتداد. في شهر يناير (كانون الثاني) مـن عام ١٨٤٥م أدين رسمياً بواسطة صدور فتوى شرعية من رجال الدين الشيعة والسنة، وكانـت الإدانة مبنية على إيمانه بحضرة الباب باعتباره مصدراً للوحي الإﻟﻬﻲ مثل القرآن الكريم. كما أدين حضرة الباب نفسه أيضاً.
إنّ جاذبية شخصية حضرة الباب والقوى المتدفقة منه وقدرته الخارقة على تفسير أكثر آيات القرآن الكريم صعوبة جعلت الملا حسين يعلن إيمانه به وأصبـح بذلك أول المؤمنين بالدين البابي. وفي خلال عدة أسابيع آمن بحضرة الباب سبعة عشر شخصاً باحثاً عن الحقيقية باعتبار أنّ حضرته هو الموعود المنتظر وقد سمِّي هؤلاء المؤمنون الأوائل الثمانية عشر بحروف الحي وقام بإرسالهم إلى مناطق إيران المختلفة لتبشير الناس بطلوع وظهور يوم الله المشار إليه في القرآن الكريم وفي الكتب المقدسة السماوية السابقة.
أمَّا السيد علي محمد الذي عرف في التاريخ "بالباب" فقد ولد في مدينة شيراز في العشرين من شهر أكتوبر (تشرين الأول) من عام ١٨١٩م من عائلة تمارس التجارة. أمَّا والداه فقد كانا من العترة النبوية الشريفة. توفي والده عندما كان حضرته طفلاً ومن ثمَّ ترعرع في بيت خاله الحاج ميرزا سيد علي الذي أصبح فيما بعد أحد أكثر أتباع حضرة الباب إيماناً ورسوخاً ووفاءً واستشهد في سبيله وأعتبر من الشهداء الأوائل للدين الجديد. إنّ جميع الشواهد دلت على أنّ حضرة الباب في طفولته كان طفلاً غير عادي وعلى الرغم من أنَّه تلقى المبادئ الأساسية في القراءة والكتابة التي كانت مختصة بفئة معينة من الإيرانيين آنذاك ومحرومة منها غالبية الشعب، ولكنه كان حكيماً بالفطرة وعليماً مما آثار إعجاب مدرسيه وأصحابه. وبالإضافة إلى هذه الميزات والخصائص كان شخصاً روحانياً عميقاً. ففي طفولته كان يقضى أوقاتاً طويلة في الدعاء والتأمل، ففي إحدى المناسبات اعترض عليه مدرسه قائلاً: إنَّه غير مطلوب من طفل مثلك أن يقضي كل هذا الوقت في الدعاء والتأمل، فرد عليه حضرة الباب بأنَّه كان في منزل "جده" العظيم الذي يسعى أن يحاكيه في عمله. وهذه إشارة إلى الرسول محمد عليه السلام وهو أسلوب في القول يتبعه أولئك الذين ينتسبون إلى السلالة النبوية الشريفة.
ترك حضرة الباب المدرسة قبل أن يكمل الثلاثة عشر ربيعاً وفى سن الخامسة عشرة انضم إلى تجارة خاله في شيراز وبعد فترة قصيرة أرسل إلى بوشهر ليدير تجارة العائلة هناك. وبممارسته التجارة اكتسب صيتاً جيداً في الأمانة والقدرة. وقد استمر في تأملاته وأدعيته وقام التي قام بكتابة بعضها. وفي ربيع عام ١٨٤١م غادر بوشهر لزيارة عدة مدن إسلامية ضمَّت أضرحة للأئمة الذين استشهدوا. ففي أثناء زيارته لمدينة كربلاء التقى حضرة الباب بالسيد كاظم الرشتي الذي رحب به بكل احترام وتقدير وقابله بكل شغف وحماس مما أثار إعجاب تلاميذه. مكث حضرة الباب مدة من الزمن مع تلاميذ السيد كاظم، ثمَّ رجع إلى إيران ليتزوج خديجه بكم بنت أحد تجار شيراز ومن أقربائه البعيدين. وبعد أقل من سنتين أعلن دعوته في شيراز للملا حسين بشروئي.
كانت المرحلة القادمة مرحلة إعلان دعوة الدين الجديد بشكل علني. بدأت هذه المرحلة مع سفر وزيارة حضرة الباب لمركز الحج في العالم الإسلامي وهما مكة المكرمة والمدينة المنورة في شبه الجزيرة العربية. وفي يوم الجمعة الموافق للعشرين من ديسمبر (كانون الثاني) عام ١٨٤٤م كان حضرة الباب واقفاً أمام البيت الحرام وواضعاً يده على حلقة باب الكعبة الشريفة أشرف وأقدس مكان للمسلمين في العالم ومعلناً بشكل علني:"إني أنا القائم الذي كنتم به تنتظرون". كما كتب رسالة أو "توقيعاً" خاصاً إلى شريف مكة حامي الديار المقدسة يعلن فيها دعوته. في كلتا الحالتين لم تجد دعوة الباب أذناً صاغية بين أهل السنة على الرغم من أنَّه كان يعامل بكل أدب واحترام. ودون أي عائق عاد حضرة الباب بحراً إلى بلاد فارس وبدأ حروف الحي في نشر دعوته التي أثارت رجال الدين وعامة الناس.
بالنسبة لرجال الدين الشيعة فإنّ دعوة حضرة الباب لم تكن دعوة للخروج عن الدين فحسب بل كانت تهديداً مباشراً لأصول الإسلام. أما المسلمون السَّنة فإنّ الرسول محمداً عليه السلام هو "خاتم النبيين" وبالتالي فهو آخر المرسلين للجنس البشري حتى "يوم القيامة" وإنّ الإسلام ظلّ سليماً ولم ينتقص أو يحرف منه شيء لأنّ القرآن الكريم يمثل الوديعة القيمة التي جاء بها الرسول محمد عليه السلام. من هذا المنطلق أكد علماء المسلمين بأنّ الإسلام يحتوي على كل ما يحتاجه العالم البشري حتى يوم الحساب ولا يمكن لأي ظهور سماوي جديد أن يأتي أو أن يكون ممكناً مجيئه.
ولهذا فإنّ دعوة حضرة الباب كانت تحدياً لأساس النظام الديني في إيران. ذلك التحدي الذي أصاب صلب معتقد المذهب الشيعي الأوسع انتشاراً في بلاد فارس. ولقرون عدة سيطر المذهب الشيعي على جميع شئون الناس متمثلاً في شخص الإمام الغائب الذي يعتبر ظهوره علامة من علامات يوم القيامة. وفي الواقع كان هناك حديث متداول بأنّ الملوك هم أمناء الإمام الغائب. ولهذا قام علماء الدين في شتى أنحاء بلاد فارس بالتصدي بكل عنف وقسوة لدعوة حضرة الباب منذ بداية سماعهم لها واشتدت هذه المعارضة ضراوة عندما أشار حضرة الباب إلى الجهل والفساد المتفشي في أوساط رجال الدين الذين اعتبرهم الباب عائقاً رئيسياً أمام تقدم وازدهار الشعب الفارسي.
إنّ معارضة رجال الدين تعدت التنديد اللساني من فوق المنابر. ففي القرن التاسع عشر كان لرجال الدين الشيعة في إيران سلطة ونفوذ يعادل سلطة ونفوذ الشاه نفسه. فالكثير من مقتضيات الحياة اليومية تمَّ تنظيمها تبعاً للأحكام والتعاليم الإسلامية وتحت إشراف المجتهدين والروحانيين. ونظرياً كانت أحكام المحاكم الدينية تعتمد على دعم الحكومة المدنية من أجل تنفيذها ولكن في الواقع كان لرجال الدين الشيعة مصادر خاصة بهم تستخدم لتنفيذ أحكامهم. يقول أحد رجال الفكر المعاصر حول وضع بلاد فارس الذي كان سائداً آنذاك عندما أعلن حضرة الباب دعوته:
خلال حكم آل قاجار لاحظنا وجود مجتهدين وبالأخص في مدينتي إصفهان وتبريز محاطين بما يمكن أن نسميه رجال حماية خصوصيين. بداية كانت المجموعة تضم قطاع طرق ولصوصاً أكثر من رجال دين. كان هؤلاء القطاع واللصوص يمثلون في الأصل "الأخوة الشجعان" وهم أشبه بمجموعة "الفتوة" في الأناضول والمناطق العربية التي كانت تعمل على دعم القوى الدينية التي تتحدى الدولة وتقوم بتنفيذ الفتاوي، وفي المقابل سمح لهؤلاء الأشخاص بالنهب والسرقة والالتجاء إلى المساجد ومساكن رجال الدين عندما كانوا يطاردون ويهددون   - من كتاب "الدين والحكومة في إيران" من عام ١٧٨٤ حتى ١٩٠٦ تأليف حميد القار - صفحة ١٩ (غير مترجم للعربية).
عمل هؤلاء الرجال المسلحون الخصوصيون كرأس حربة لقوة تفوق مصدر القوة المتاحة لرجال الدين. وعندما يعلنون بأنّ أعداءهم كفرة ومرتدون يقوم رجال الدين بتشكيل مجموعة أو عصابة مكونة من أفراد متعصبين دينياً وجهله جاءوا من المدن والقرى فيقتحمون الشوارع للدفاع عما يسمونه بالدين الحق. وقد شعرت الدولة كراراً ومراراً بقدرة هذه المجموعات المسلحة وشعرت هذه المجموعات الهرطقية أيضاً بقوتها ونفوذها.
وعلى الرغم من الأخطار المحدقة المتزايدة لهؤلاء المرتزقة، فقد شهدت الفترة من عام ١٨٤٥ حتى ١٨٤٧ تزايداً كبيراً في أعداد الذين سموا أنفسهم بالبابيين أو أتباع حضرة الباب. وفي الواقع كان عدد كبير من أتباع حضرة الباب من رجال الدين وكان أحدهم مؤمناً جديداً وشخصية بارزة وذا نفوذ شديد اسمه سيد يحيى دارابي الذي لقب فيما بعد "بالوحيد" وعندما ألقي القبض على حضرة الباب وحبس في منزله بأمر من حاكم شيراز وبتحريض من علماء المسلمين أرسل له جناب وحيد ليستجوب حضرته بالنيابة عن محمد شاه قاجار حاكم فارس آنذاك الذي وصل إلى سمعه أنباء عن الدعوة الجديدة وأراد أن يحصل على معلومات موثقة عنها. وليس غريباً أن يؤمن جناب وحيد بأمر حضرة الباب ولهذا أمر الشاه بإرسال حضرته فوراً إلى العاصمة طهران وتحت الحراسة وأن يعامل كضيف شرف. وسبق لحضرة الباب أن أفصح عن رغبته في مقابلة الشاه لشرح دعوته له.
ولم يتحقق له ذلك مع الأسف، ذلك لأنّ محمد شاه قاجار كان شخصاً ضعيفاً ومتذبذباً أخذت عوارض المرض الذي قضى عليه فيما بعد تظهر عليه. وفوق ذلك كان رئيس الوزراء (الصدر الأعظم) الحاج ميرزا آقاسي مسيطراً عليه تماماً ويعتبر هذا الأخير أحد أغرب الشخصيات في التاريخ الإيراني. كان الحاج ميرزا آقاسي مدرس الشاه في طفولته ويثق به الشاه تماماً. وخوفاً من أنّ لقاء الشاه مع حضرة الباب قد يقلل من نفوذه وتأثيره أمر رئيس الوزراء بأن ينقل حضرة الباب تحت الحراسة المشددة إلى قلعة ماه كو التي تقع في منطقة أذربيجان الشمالية وعلى حدود روسيا. وقد علل ميرزا آقاسي عمله هذا للشاه بقوله بأنّ قدوم حضرة الباب للعاصمة قد يؤدي إلى وقوع صدام بين أتباعه ورجال الدين المتعصبين وقد يتطور ذلك إلى هيجان عام وهو أمر عادي في ذلك الوقت.
وعلى أي حال كان - الصدر الأعظم الذي جاء من منطقة أذربيجان أصلاً - متأكداً بأنّ سكان تلك المنطقة، وهم من الأكراد المتوحشين القاطنين في الجبال سوف لن يتجاوبوا أو يقبلوا أمر حضرة الباب. ولكن الحقيقة أثبتت العكس، فالدعوة البابية انتشرت في منطقة أذربيجان وقام مأمور قلعة ماه كو والمسئولون الآخرون بإلقاء سلاحهم نتيجة لحسن معاملة السجناء وإخلاصهم. وفي محاولة أخيرة للميرزا آقاسي لكي يحد من هذا الأمر الذي اعتبره تهديداً متزايداً له أرسل حضرة الباب إلى قلعة بعيدة أخرى تدعي "چهريق." ولكن العملية تكررت وآمن بحضرة الباب مسئول القلعة وهو كردي اسمه يحيى خان وأصبح من عشاقه.
أدرك الحاج ميرزا آقاسي أنّ الأيام الأخيرة لشاه إيران باتت وشيكة وأخذ الخوف يحيط به من عداء المجموعات المؤثرة في بلاد فارس نتيجة لفساد حكمه وسوء تدبيره لشؤون البلاد ولهذا أخذ يداهن ويقترب من رجال الدين وذوي النفوذ الذين اعترضوا بشدة على الدعوة البابية وكانوا يطالبون بإدانة رسمية لهذه الحركة الجديدة. وبناء على طلب هذه الفئة الأخيرة قام رئيس الوزراء الحاج ميرزا آقاسي بإرسال حضرة الباب إلى مدينة تبريز لكي يحاكم أمام مجموعة من كبار رجال الدين.
جرت هذه المحاكمة في صيف عام ١٨٤٨م وثبت بكل المقاييس أنَّها محاكمة سخيفة وبلا معنى كان هدفها الوحيد واضحاً وهو إذلال وإهانة حضرة الباب. انتهت جلسة المحاكمة باتخاذ قرار بالعقوبة الجسدية وأخيراً تم ضرب حضرة الباب بالفلقة على قدميه. هذه العقوبة كان لها نتائج غير متوقعة، فقد استطاع حضرة الباب أن يتصل بالشخص الغربي الوحيد الذي ترك مذكرات حول لقائه بحضرته. ففي أثناء ضربه بالفلقة وجه أحد رجال الدين لكمة إلى وجه حضرة الباب وطلب من أحد الأطباء الإنجليز وهو الدكتور وليام كورمك أن يقوم بمعالجته وقد ذكر هذا الطبيب ما يلي في شرح لقائه مع حضرة الباب:
كان الباب شخصاً لطيفاً جداً ورقيقاً في مظهره، أمَّا قصر قامته فلا تشوبه شائبة بالنسبة للإيرانيين وكان في صوته رنة ناعمة جذبتني إليه… في الحقيقة فإنّ شكله وسلوكه يشدان الشخص إليه. بالنسبة لعقيدته لم اسمع شيئاً منه شخصياً ولكن يقال بأنّ ما ينادي به من فكر في ديانته يتقارب والمسيحية… وبالتأكيد ليس في ديانته تعصب كالذي يحمله المسلم والمسيحي ولا هناك تقييد لحرية المرأة كالذي نراه عند المسلمين.   - من كتاب The Bab تأليف حسن بليوزي، ص ١٤٦-١٤٧.
وعندما كان حضرة الباب طريح أسير جدران السجن عانى أتباعه شتى أنواع التعذيب والويلات من زمرة من المجرمين والغوغائيين يحركهم رجال الدين الشيعة. مما أدى بالبابيين إلى اللجوء إلى الدفاع عن النفس. ففي الإسلام وعلى عكس المسيحية -هناك سوء فهم كبير بالنسبة لمفهوم الجهاد الذي يسمح باستخدام القوة والسلاح لمعاقبة الكفرة والمشركين. إنّ الجهاد يسمح للمسلمين أيضاً بالدفاع عن أنفسهم عندما يهاجمون ولكنه يمنع أي نوع من الحرب الهجومية ضد أهل الكتاب (أي اتباع دين سماوي آخر ويقصد بهم عادة اليهود والنصارى). في هذا الجو الإسلامي رأى البابيون أنَّهم محقون بالدفاع عن أنفسهم وعن عائلاتهم من هجوم رجال الدين. وكان البعض يعتقد أنّ الباب قد يقوم بشرح موضوع الجهاد ويبين أفكاره في هذا الخصوص.
ولكنه لم يتم ذلك فقد شرح حضرة الباب في كتابه "قيوم الأسماء" المبادىء الأساسية للمفهوم القرآني للجهاد ودعا أتباعه إلى إتباع ما هو دارج في المجتمع حول هذا الأمر. وقد اشترط حضرة الباب بأن يكون الجهاد مشروطاً بموافقته ولكن هذه الموافقة لم تمنح رغم تزايد اضطهاد وتعذيب البابيين بواسطة رجال الدين الشيعة.
هذه القيود أثبتت بأنَّها الخطوة الأولى نحو تغيير تدريجي لمفهوم الجهاد في الإسلام الذي يعتبر من المبادئ والأحكام الرئيسية في الدين الإسلامي. وعندما نزل البيان، وهو كتاب حضرة الباب المقدس الذي يحتوي على أحكامه وتعاليمه، لم يذكر فيه حكم الجهاد ولهذا ترك البابيون أحراراً في الدفاع عن أنفسهم عندما كانوا يهاجمون، إلا إنَّهم منعوا عن تبليغ وإعلان دعوة الباب باستعمال السيف. قد سمح الرسول الكريم محمد عليه السلام أتباعه باستعمال السيف والجهاد نظراً للأوضاع الهمجية التي كانت سائدة في شبه الجزيرة العربية آنذاك. قال حضرة الباب بأنَّ حماية وانتصار أمره سيكون بيد الله العلي القدير.
وبينما كان حضرة الباب مسجوناً وقيد المحاكمة في شمال إيران استمر عدد أتباعه في الازدياد والنمو في المناطق الأخرى من إيران. وفي الوقت الذي أعلن فيه دعوته العلنية في تبريز اجتمع عدد كبير من قادة البابيين في قرية بدشت. ذلك الاجتماع الذي كان له الأثر الكبير في تطور ونمو الدعوة البابية. وقد شاركت في هذا الاجتماع واحدة من أهم السيدات البابيات الشهيرات المعروفة بقرّة العين والملقبة في التاريخ البهائي بالطاهرة.
ولدت قرّة العين (الطاهرة) من عائلة من العلماء ورجال الدين وعرفت فيما بعد على أنَّها واحدة من أشهر الشعراء الموهوبين في بلاد فارس. ولمعرفة أهمية هذا الحدث فإنَّه من الأهمية أن نعرف مدى عزلة نساء إيران آنذاك ومقدار الحظر الذي كان مفروضاً عليهن. ومن خلال نفوذ عمها وابن عم لها، وكانا من أتباع الشيخ أحمد الأحسائي، استطاعت الطاهرة أن تتصل ببعض البابيين الأوائل. وعلى الرغم من إنَّها لم تلتق بحضرة الباب إلاَّ أنَّها راسلته وأعلنت عن إيمانها ثمَّ ضمها إلى حروف الحي.
من الأسباب الرئيسية آلتي دعت إلى عقد اجتماع بدشت هو البحث في كيفية إنقاذ حضرة الباب من سجنه في قلعة چهريق. ومع هذا فإنَّ جو الاجتماع تغير إلى جو شاحن بشكل غير متوقع حيث فسرت حضرة الطاهرة بصورة جريئة بعض تعاليم حضرة الباب. فالبعض من البابيين اعتبروا دعوة حضرة الباب دعوة تجديدية للدين والبعض الآخر التبس عليهم معنى ولفظ كلمة "الباب." فقامت الطاهرة بشرح وتوضيح رسالة ومهمة الباب بصورة مسهبة طبقاً لما أعلنه الباب نفسه في ليلة إعلان دعوته للملا حسين. فقد أعلن أنَّه الإمام المهدي المنتظر وقائم آل محمد الموعود. وعلى هذا فإنَّه رسول سماوي ومؤسس لدورة دينية مستقلة جديدة. وكما حرر المسيحيون الأوائل أنفسهم من تعاليم وأحكام التوراة دعي البابيون إلى عدم التقييد بأحكام الشريعة الإسلامية لأنَّ هناك تعاليم اجتماعية جديدة أتى بها حضرة الباب وعلى البابيين أن يتوجهوا إليها للهداية.
ومما جعل اجتماع بدشت أكثر إثارة ودهشة ظهور الطاهرة في إحدى الجلسات دون حجاب بعكس ما كان سائداً في المجتمع الإسلامي آنذاك. إنَّ عملها هذا وأعمالاً أخرى شبيهة بها كان امتحاناً صعباً للبابيين المتحفظين وأثارت حفيظة المسلمين المتعصبين. فقام رجال الدين بنشر إشاعات كاذبة حول البابيين منها أنَّهم كفرة وعندهم إباحية جنسية واشتراك في الملكية وكان هدف رجال الدين تشويه الحقيقة وتصوير الدعوة البابية على إنَّها حركة معادية للسلوك الحسن والنظام العام.
أشار العديد من المراقبين الغربيين الذين تواجدوا في بلاد فارس آنذاك إلى هذه القصص والروايات في مذكراتهم مع العلم أنهم كانوا ضعفاء في فهم اللغة الفارسية. ونفترض بأنَّ هذه الروايات اعتمدت على ما سمعه هؤلاء المراقبون من أفراد المسلمين الذين اتصلوا بهـم وعلى فهمهم للقضايا الدينية في بلاد فارس. جمع الدكتور موجان مؤمن هذه التقارير والروايات في كتابه "الديانتان البابية والبهائية" The Babi and Baha'i Religions في الصفحات من ٣ إلى ١٧ وهي تشير إلى التهم التي الصقت بالبابيين جزافا مثل العصيان والكفر والإباحية والمشاركة في الزوجات والممتلكات. ولكن بعد الدراسات والأبحاث التي قام بها كل من غوبينو وإدوارد براون ونيكولاس الذين استطاعوا الاتصال مباشرة بالبابيين اتباع هذا الدين الجديد فقد كشفوا الحقيقة واتضح لهم عدم صحة هذه التهم.
وفي شهر سبتمبر (أيلول) من عام ١٨٤٨م توفي محمد شاه قاجار متأثراً بأمراضه المتعددة مما أدى إلى زيادة في عدم الاستقرار فتدهورت الأوضاع السياسية وتم تعيين من سيخلفه. أما الحاج ميرزا آقاسي فقد عزله أعداؤه السياسيون، واستغل رجال الدين هذه الفوضى والهرج فشددوا من خصومتهم للبابيين ونظموا حملات لضربهم أينما كانوا.
وفي مقاطعة مازندران وجدت مجموعة من البابييين يقدر عددهم بثلاثمائة شخص ويقودهم الملا حسين وأحد أتباع حضرة الباب المشهورين المسمى بالقدوس (وهو الذي رافق الباب في حجه إلى مكة المكرمة) وجدت نفسها محاصرة في قلعة صغيرة قامت بترميمها على عجل وتقع بالقرب من قبر أحد مشاهير الإسلام يسمى بالشيخ طبرسي. قام هؤلاء البابيون بكل حماس وشغف بالانتشار في مازندران معلنين أنَّ القائم الموعود قد ظهر ودعوا جميع المؤمنين إلى النهوض والسير على نهجه، أما رجال الدين المحليون فقد نددوا بهذه الدعوة واعتبروا المؤمنين بها منشقين ومرتدين وقاموا بإثارة أهالي عدة قرى للهجوم على البابيين. وعندما احتمى البابيون بالسياج الذي أقاموه داخل قلعة الشيخ طبرسي اتهم رجال الدين البابيين بأنَّهم سبب الفوضى التي سادت بلاد فارس في ذلك الوقت مع أنَّ هذه الفوضى كان سببـها الأصلي رجال الدين لاتهامهم البابيين بالارتداد والكفر. وفي جو مشحون بالصراع حول السلطة بين ورثة محمد شاه قاجار كان هذا الاتهام بمثابة الشرارة التي أشعلت الوضع. خلف الحاج ميرزا آقاسي رجل قوي قاس ومريب وهو الميرزا تقي خان فأصبح الصدر الأعظم لإيران وقرر أن يقمع الحركة البابية ويقتلعها من جذورها فقام بإرسال قوة مسلحة لدعم وتعزيز مجهودات رجال الدين والموالين لهم.
تحول حصار قلعة الشيخ طبرسي إلى خزي وعار لمعارضي حضرة الباب. وخلال عام واحد تم إرسال آلاف من الجنود لقتال وقمع عدة مئات من البابيين الذين كانوا يدافعون عن القلعة إلاَّ أنَّهم جميعاً هزموا شر هزيمة. وأخيراً وفي موقع عسكري صغير محاصر كان قد استشهد فيه عدد كبير من أفراده ومنهم الملا حسين وعد المهاجمون المجموعة بالإفراج عنهم إذا استسلموا وقد أقسموا على القرآن الكريم في ذلك. وما أن خرج البابيون من هذا الموقع حتى ألقي القبض عليهم حيث قتل العديد منهم وآخرون عذبوا حتى الموت ومن تبقى أُسِر وبيع كالرقيق. أما جناب القدوس فقد سلِّم ليد أحد رجال الدين الكبار في تلك المنطقة فقادوه في الشوارع والطرقات وشوّهوا جسمه ثمَّ قتلوه.
وأحداث أخرى مشابهة وقعت في مدينتين أخريين هما نيريز وزنجان. ففي هاتين المدينتين جاءت قوات مسلحة تابعة لأمراء قاجار لدعم ومؤازرة الهمج الرعاع الذين حركهم واستفزهم رجال الدين الشيعة ضد البابييـن وقرروا استئصال وإبادة جميع أتباع الدين الجديد. وفي مدينة نيريز كان يتزعم البابيين شخصية بارزة هو جناب وحيد ومع مكانته الدينية لم يخفف ذلك من سخط السلطات المحلية ومن هجوم الناس الغوغائي. وفي مذبحة عقب الاستيلاء على قلعة كان البابيون قد التجأوا إليها وحوصروا فيها استشهد جناب وحيد. وفي مدينة زنجان كان الحال مثل قلعة الشيخ طبرسي فقد خدع المحاصرون البابيين ووعدوهم بالسلام والأخوة وكتبوا ذلك على نسخة من القرآن الكريم إلاَّ أنَّهم غدروا بهم وقتلوهم عن بكرة أبيهم بعد خروجهم من مواقعهم.
وبالرغم من بعض المحاولات الواضحة التي قامت بها السلطات الدينية والسياسية للتستر على هذه الملاحم الثلاث مع البابيين وهي معركة قلعة الشيخ طبرسي وحوادث نيريز ووقائع زنجان فقد كان هناك ناجون من كل معركة أو حادثة استطاعوا أن يشهدوا على كل ما حدث. فالنسخ المكتوبة لهذه الروايات تشكل المصدر الرئيسي للكتاب التاريخي الذي كتبه وأعده نبيل زرندي المعروف بالنبيل الأعظم بعد عدة سنوات.
وبرزت في أنحاء مختلفة من إيران مشاهد عنف عديدة يغذيها تحريض رجال الدين على أنَّ البابيين مرتدون وساندهم كثير من السلطات المحلية في اعتداءاتهم. ولم يحمهم وضعهم الاجتماعي. وفي العاصمة طهران، وفي نفس الوقت الذي وقعت فيه حوادث زنجان تقريباً صدر الحكم بإعدام سبعة من الشخصيات المرموقة من كبار التجار ومن الأوساط العلمية عندما رفضوا إنكار دينهم، فقتلوا بشكل بشع ومرعب. ومما يدل على وحشية الناس الذين قاموا بهذا العمل أنَّ من بين الشهداء شخص يدعى الميرزا قربان علي قد عرف بالزهد والتقوى الشديدين وعمل مرشداً روحياً خاصاً للعائلة المالكة ولأعضاء الحكومة.
إنَّ معظم المسئولية في هذه الأعمال الوحشية لا تقع على عاتق رجال الدين وحدهم وإنَّما على رئيس الوزراء الجديد الميرزا تقي خان أيضاً. أمَّا الشاه الجديد ناصر الدين شاه فكان عمره لا يتجاوز السادسة عشرة، ولهذا كان زمام السلطة بيـد رئيس الوزراء أو الصدر الأعظم.
وكان هذا الأخير على رأس مجموعة قامت بنصب بتنصيب الشاه الجديد بعد منافسة حادة على السلطة بين شخصين من العائلة المالكة. وقد استنتج رئيس الوزراء الجديد بأنَّ ضمان استمراره في الحكم وثبات المنطقة واستقرارها يقتضي قمع الدعوة البابية ولهذا شارك في الأعمال الوحشية ضد البابيين في قلعة الشيخ طبرسي وفي نيريز وزنجان وفي قتل شهداء طهران السبعة الذين عرفوا بهذا الاسم. والآن يريد ضرب الدعوة في مهدها.
وبينما كان الحصار قائماً في زنجان أمر الميرزا تقي خان حاكم منطقة أذربيجان بأن ينقل حضرة الباب إلى مدينة تبريز وهناك يعدم أمام الملأ. لم يكن للميرزا تقي خان أية صلاحية لإصدار مثل هذا الأمر ولم يستشر باقي أعضاء الحكومة في هذا الخصوص ولهذا السبب لـم يستجب حاكم أذربيجان الذي كان يكن كل احترام وتقدير لحضرة الباب لهذا الأمر. وأخيراً اضطر الميرزا تقي خان إلى إرسال أخيه الميرزا حسن خان لتنفيذ هذه المأمورية. فقد أخذ الباب بعجالة إلى تبريز وقرر كبار المجتهدين وعلماء الدين أن يتعاملوا مع الموضوع فيحكموا عليه من منظور ديني أكثر منه مدني. وكما توقع الميرزا تقي خان كان رجال الدين على أتم استعداد لإصدار فتوى بقتل حضرة الباب بتهمة الارتداد. وفي اليوم التاسع من شهر تمور (يوليو) من عام ١٨٥٠م تمَّ الإعداد لتنفيذ هذا العمل الشنيع وسط حشد مزدحم من آلاف الناس الذين تجمعوا فوق أسطح المنازل وعلى النوافذ في ساحة عامة وما وقع بعد ذلك كان حدثاً مذهلاً وغير عادي.
قيد حضرة الباب بالحبل ومعه أحد أتباعه (الذي لقّب بالأنيس) على جدار أحد الثكنات العسكرية وجاء فوج من الجنود الأرمن المسيحيين يصل عددهم إلى٧٥٠ شخصاً واصطفوا ليشكلوا فرقة مكلفة بإطلاق النار على حضرة الباب. أما قائد الفوج ويقال له سام خان فقد كان متردداً في تنفيذ هذا الحكم لأنَّه كان خائفاً من نزول السخط الإلهي عليه. حينئذ قال له حضرة الباب:
اعمل بما أُمرت به وإن كانت نيتك صادقة فإنّ الله العلي القدير قادر على إزالة حيرتك وارتباكك.   - ذكر في "كتاب القرن البديع" صفحة ٧٣.
رأى العديد من شهود العيان ما حدث بأم أعينهم. فقد اصطف الفوج وأطلق ٧٥٠ رصاصة وتصاعد الدخان الكثيف الصادر من فوهة البنادق وتحوّلت الساحة إلى ظلام. وعندما انقشع الدخان شاهد الجمهور أمراً غريباً. فقد شاهدوا أنيس الباب واقفاً بجوار الحائط دون أذى أما حضرة الباب فكان غائباً عن الأنظار. أما الحبال التي ربطا بها فقد كانت ممزقة تماماً. وبدأ بحث محموم عن حضرة الباب فوجدوه سليماً داخل الغرفة التي شغلها الليلة الماضية هادئاً ومنشغلاً في إنزال آخر كلماتـه وإعطاء توجيهاته إلى كاتب وحيه.
هاج الجمهور من هذا المشهد وماج، أما قائد الفوج الأرمني فقد رفض الاستمرار في هذا العمل ووجد الميرزا حسن خان نفسه أمام احتمال أن ينقلب الناس الذين آمنوا بحضرة الباب في السابق ثمَّ ارتدوا عنه فيؤمنوا به مرة أخرى، نظراً لمعجزة الباب أثناء إطلاق النار عليه للمرة الأولى واعتبار ذلك معجزة سماوية. ومن ثمَّ اصطف فوج آخر مكون من جنود مسلمين وجيء بحضرة الباب ورفيقه مرةً أخرى وقُيِّدا على الحائط ثمَّ أطلق وابل من الرصاص عليهما. وفي هذه المرة مزقت الطلقات جسدي السجينين. أما آخر كلمات حضرة الباب إلى الجمهور فكانت:
أيها الجيل الملتوي، لو آمنتم بي لاحتذى كل واحد منكم حذو هذا الشاب الذي هو أعظم منكم شأناً ولأقبل راضياً مختاراً على التضحية بنفسه في سبيلي وسيأتي اليوم الذي فيه تؤمنون بي، وعند ذاك لن أكون معكم.   - ذكر في "كتاب القرن البديع" صفحة ٧٤.
إنَّ الظروف غير العادية التي أحاطت باستشهاد حضرة الباب أثارت موجة جديدة من الاهتمام الواسع في تعاليمه. فرواية استشهاده انتشرت كالنار في الهشيم ليس بين أهل إيران فحسب بل بين السياسيين والتجار والعسكريين والصحفيين الذين كانوا يشكلون جالية أوربية كبيرة في بلاد فارس آنذاك. إنَّ كلمات قنصل فرنسا الرسمي السيد نيكولاس تبيّن مدى تأثير هذه الفاجعة على جمهور الناس الغربيين المثقفين:
إنّ ذلك المثل الرائع الذي قدمه الباب للإنسانية لتتأمله لهو من أعظم الأمثلة الرائعة على الشجاعة ودليل يثير الإعجاب على المحبة التي حملها بطلنا لمواطنيه. لقد ضحى بنفسه من أجل الإنسانية ووهب لها جسده وروحه، وفي سبيلها عانى الحرمان والهوان والسباب والعذاب والشهادة. وقد وقع بدمه ميثاق الإخاء العالمي ودفع حياته كما فعل السيد المسيح من قبل، عربوناً لعهد الوفاق والعدل والمحبة القادم.   - ذكرت هذه الفقرة في "كتاب القرن البديع" - صفحة ٧٦.
كان استشهاد الباب بالنسبة للجامعة البابية وما تبعه من إبادة لزعماء الدين ورموزه بما فيهم غالبية حروف الحي بمثابة ريح عاتية ومدمرة. حيث فقد البابيون القيادة اللازمة، قيادة لم تكن لتتحمل الاضطهاد الشديد فحسب بل وللحفاظ على سمو الأخلاق العالية التي نادى بها حضرة الباب.
كان البابيون يؤكدون دوماً بأنَّ اهتمامهم الرئيسي هو الإعلان عن التعاليم الاجتماعية والروحانية الجديدة التي جاء بها الباب. وفي الوقت نفسه ونظراً لأنَّ أفكارهم الدينية كانت من خلفية إسلامية فقد كانوا يعتقدون بأنَّ لهم حق الدفاع عن النفس وعن عائلاتهم شريطة أن لا يبادروا بالعدوان حفاظاً على قيمهم الدينية. وعندما تم القضاء على الرموز التي كانت تقود الجامعة البابية بهذه الأعمال الوحشية التي قام بها الميرزا تقي خان فقد كان متوقعاً أن العناصر المترددة بين البابيين قد تغدو عاجزة عن الحفاظ على الانضباط الأصيل.
وهذا ما حصل بالفعل ففي يوم ١٥ آب (أغسطس) عام ١٨٥٠ ميلادي قام شابان بابيان غلبت عليهما المعاناة التي شاهداها وأصيبا باليأس نتيجة موقف السلطات فقاما بإطلاق النار على الشاه فأصيب الشاه بجروح طفيفة ونجا من الحادثة لأنَّ البندقية التي استعملت كانت محشوة بالبارود الخاص بصيد الطيور. إلا أنَّ هذه الحادثة أثارت من حولها موجة من العنف أقوى وأشد من قبل، فبدأ عصر إرهاب جديد.
ترك الكابتن ألفرد فون كوفر وهو ملحق عسكري نمساوي مذكرات حول هذه الفترة. كان مصدوماً ومتأثراً بشدة من الأعمال الوحشية التي شاهدها بنفسه ولهذا قدم استقالته من منصبه وكتب بعد ذلك مقالاً نشر في جريدة "فينس" وفيما يلي نصه:
اتبعني يا صديقي وأنتم يا من تدّعون بأنكم تتحلون بالأخلاق الأوروبية الرفيعة. تعالوا معي لتشاهدوا البؤساء الذين فقئت أعينهم ثمَّ أجبروا على أن يأكلوا آذانهم المبتورة في مشهد التعذيب ذاته دون ملح ولا توابل! والذين انتزع الجلادون أسنانهم وضروسهم بوحشية والذين لم ينلهـم شيء كبير من الأذى سوى أن حطمت المطارق جماجمهم العارية بكل بساطة. هلمّوا هلمّوا إلى حيث تضاء الأسواق بالضحايا البؤساء لأنَّ الناس شقوا ثقوباً في صدور الضحايا وأكتافهم عن اليمين وعن الشمال ووضعوا في الجروح شموعاً مشتعلة. ولقد شاهدت بعضهم يسحبون في السوق مصفدين بالأغلال تتقدمهم إحدى الفرق العسكرية وكانت الشمـوع قد احترقت وتوغلت حتى أخذ شحم الجروح يدخن كالمصباح إذا انطفأ حديثاً. وليس من النادر أن تتفتق عبقرية أهل الشرق عن ألوان جديدة من التعذيب. من ذلك مثلاً أنهم يسلخون قدمي البابي ويغمسون جروحه في الزيت المغلي ويدقون فيها حدوة حصان ويرغمونه على الجري فلا تصدر من الضحية آهة ولا زفرة. بل تتحمل حواسه المفقودة ذلك العذاب في صمت مظلـم والآن يجب عليه أن يجري ولا يستطيع الجسم أن يتحمل ما يتحمله الروح فيسقط. ألا فارحموه واضربوه الضربة القاضية وخلّصوه من آلامه! ولكن لا! الجلاد يهوي بالسوط وكان علي أن أشاهد ذلك وإذا بالضحية المتحملة مائة ضعف من العذاب تركض من جديد كل هذا مجرد بداية للنهاية. أما النهاية نفسها فهي أن الجلادين يصلبون الأجساد المكوية الممزقة رأساً على عقب على جذوع الأشجار عند ذلك تتاح الفرصة لأي إيراني يحب أن يجعل تلك الأجساد المعلقة النبيلة هدفاً لإظهار براعته في التصويب على قدر ما يحب ويشتهي وعلى مسافة معينة ليست بالقريبة جداً ولقد رأيت أجساداً مزقتها مائة وخمسون رصاصة تقريبا.   - ذكرت هذه الفقرة في "كتاب القرن البديع" - صفحة ٨٨.
من أشهر ضحايا الاضطهاد الجديد شاعرة تسمى "الطاهرة" والتي كانت مسجونة بالمنزل لمدة من الزمن. ومما قامت به هذه المرأة هو إزالة قيود المرأة التي كانت شديدة في ذلك الزمن على اعتبار أنَّ تحرير المرأة من تعاليم حضرة الباب ومن مزايا العصر الجديد. وعلى الرغم من صدور حكم الموت عليها وعلمها بذلك قالت للسجان: "يمكنك قتلي في أي وقت تشاء ولكنك لا تستطيع وقف تحرير المرأة."
وبذلك انتهـى ما يسميه البهائيون "بالدورة البابية" وهي المرحلة الأولى من التاريخ البهائي. وفي ذلك الوقت كانت البلاد تعيش في فترة تكتسحها عواصف التغيير الاجتماعي الشامل. أما أعداء حضرة الباب فقد اتهموا حضرته بأنَّه يخطط لاكتساب قوة سياسية، والبعض روج بأنَّه كان قادراً على أن يكون زعيماً للبلاد. إنَّ القدرات غير العادية لأتباعه الصناديد، وظهور تجاوب الناس لرسالة دينية جديدة والفساد والشقاق الحزبي الذي كان متفشياً بين القيادات الدينية والمدنية، والفترة المؤقتة التي سادت فيها الفوضى المدنية أثناء مرض محمد شاه قاجار ومن ثمَّ موته. كل ذلك أدى إلى إيجاد وضع كان يمكن لحضرة الباب أن يستفيد منه عندما عرضت عليه المساعدة والتي كان في أمسّ الحاجة إليها.
في أواخر عام ١٨٤٦م عرض الحاكم العام لإصفهان منوجهر خان، والذي كان يعتبر واحداً من أقوى الشخصيات في إيران، عرض على حضرة الباب وضع كامل قواته العسكرية وثروة ضخمة تحت إمرته لكي يقوم بالهجوم على مدينة طهران ويحارب رجال الدين والشاه، وهو عمل يمكن تبريره في نظر الشيعة. إنَّ المبدأ الرئيسي الذي يحكم الملكية في بلاد فارس هو أنَّ الشاه في الأصل نائب للأمام المهدي المنتظر، ولأنَّ الادعاء الأساسي لحضرة الباب بأنَّه هو تلك السلطة الروحية التي طال انتظارها، ونظراً لأنَّ بعض العقول والنفوس المنيرة في بلاد فارس قبلت دعوته وآمنت به فكان من المفروض أمانة أن يقوم محمد شاه وناصر الدين شاه قاجار بدراسة تعاليم حضرة الباب والاستماع إلى دعوته بكل دقة واحترام. والسبب في تجاهلهم كل ذلك كان تدخل زعماء السياسة والدين انطلاقاً من خشيتهم بأنَّ حضرة الباب قد يهدد مكانتهم وسلطتهم ويعمل على تقويضها.
وبرفض حضرة الباب استعمال القوة حيال تلك الأمور، حتى لو كلفه ذلك حياته، فقد قدم يقيناً مقنعاً على ميزة رسالته السلمية السمحة واتكاله الكامل على القوى الروحية التي أشار إليها منذ بداية دعوته على أنَّها العون الوحيد له.
ترى ما هي هذه التعاليم التي أثارت زوبعة من العنف والعدوان والتي تحمل من أجلها حضرة الباب والألوف من غيره شتى أنواع المحن والآلام وفدوا جميعاً أرواحهم في سبيله؟ إنَّ الإجابة على عن ذلك ليس بالأمر البسيط. ونظراً لأن دعوة حضرة الباب كانت مرتبطة بصورة خاصة بمعتقدات الشيعة ومفاهيمهم الفقهية فإنَّ العقلية الغربية تجد صعوبة في فهم العديد من الأمور التي قام حضرة الباب بطرحها في كتاباته. وفي الواقع إنَّ من أهم الأسباب التي بها نجح حضرته في إبلاغ كلمته لبعض علماء الدين البارزين وإلى مجموعة من طلاب العلم والمعرفة هو إحاطته الكاملة لأعمق وأدق المواضيع الإسلامية الفقهية الخاصة بالنبوات والعقيدة المثيرة للجدل.
لقد بدا لمستمعيه أمراً غير عادي في أنَّ شاباً تلقى تعليماً ابتدائياً بسيطاً قياساً بطبقة المفكرين في إيران أن يكون بكل بساطة قادراً على الإجابة عن أسئلة العلماء الاجلاء الذين قضوا حياتهم في هذا المجال وأسسوا مكانتهم العامة منها. إن المذكرات التاريخية الأولية للبابيين تشير إلى تفاصيل هذه الوقائع وشرحها وتبين أثر ذلك على المستمعين. أما بالنسبة للقارئ من أوروبا أو أمريكا الشمالية فإنَّ هذه المواضيع تكون له مبهمة وغير واضحة.
وعلى الرغم من براعة حضرة الباب وتفوقه فإنَّه لم يشجع أتباعه من العلماء ورجال الدين وطلاب المعرفة على كسب هذه العلوم. ويمكن تفهم سبب ذلك من دراسة للأبحاث التي قام بها المستشرق البريطاني إدوارد براون حول فقه الشيعة. لقد وصف إدوارد براون الأبحاث والتفاسير والمواضيع والملاحظات التي قام بها علماء الدين من أجل النهضة الثقافية في القرن التاسع عشر في إيران بأنَّها "سخيفة" ولا قيمة لها. وأنَّ وضع العلماء الحاليين وضع "يرثى له." كما شاركه وأيّده في الرأي أحد المفكرين المسلمين البارزين آنذاك وهو الشيخ محمد عبده حيث قال براون عنه:
الشيخ محمد عبده هو مفتي مصر الأعظم ورئيس جامعة الأزهر وربما أكثر المفكرين تنويراً ومُحبّاً للغة العربية وآدابها، ولم يشهد العالم الإسلامي في العصر الحديث شخصا فذّاً مثله. هذا الشخص كان يقول بأنَّ جميع هذه المواد والمواضيع يجب أن تحرق لأنَّها فقط تشغل الأرفف وتحمل الحشرات وتمنع من نشر العلوم الصحيحة. هذه كانت وجهة نظر أحد كبار علماء الإسلام ولهذا يجب أن لا نتردد في قبول ذلك.   - من كتاب "تاريخ الأدب في إيران" A Literary History of Persia تأليف إدوارد براون. صفحة ٤١٥-٤١٦ (غير معرب).