المظاهر الإلهية

أكّد الأنبياء ومؤسسو الأديان العظيمة لأتباعهم وجود الله وقادوهم إلى حبه وعبادته. وبذلك، ومنذ آلاف السنين وعبر العصور المختلفة إلى يومنا هذا، فقد أحاطت مجهودات الإنسان في فهم خالقه أنوار تعاليم أولئك المؤسسين الإلهيين العظام ونمط حياتهم.
ولم يحظ تاريخ الأديان في السابق بمثل ما ألقته تعاليم حضرة بهاءالله من أضواء على هذا الموضوع، ففيها يؤكد أن الله سبحانه وتعالى -خالق هذا الكون- يسمو فوق خلقه، وأن الإنسان، كونه مخلوقا، لا يمكن له أن يسمو إلى تلك المراتب التي تجعله يفهم جوهر خالقه. فأي وصف أو صورة أو تشبيه قد ينسب إلى جوهر الله أو طبيعته لا يمكن أن يعتبر إلا من مخيلة الإنسان. فكيف يمكن للعقل المحدود أن يدرك اللامحدود؟ يؤكد حضرة بهاءالله:
ومن الواضح لدى أولي العلم والأفئدة المنيرة أن غيب الهوية وذات الأحدية كان مقدسا عن البروز والظهور، والصعود والنزول والدخول والخروج، ومتعاليا عن وصف كل واصف وإدراك كل مدرك... لأنه لا يمكن أن يكون بينه وبين الممكنات بأي وجه من الوجوه نسبة وربط وفصل ووصل أو قرب وبعد وجهة وإشارة.  
ولكن الله الذي لا يُدرَك كنهه أظهر صفاته بكل جلاء في الخليقة التي لا حدود لها، سواء مادية كانت أم روحية. فالجماد - وهو أدنى مراتب الحياة ومحور كافة أشكالها - تظهر فيه بعض الصفات الإلهية بتجليات في أدنى مستوياتها. فقوة التماسك في المعادن مثلا في حقيقتها هي تجلي المحبة الإلهية في عالم الجماد
والنبات الذي يمد جذوره بقوة داخل التربة ليأخذ من عالم الجماد حياته ونموه، يعلوه رتبة بقوته النامية وتتجلى فيه الصفات الإلهية بشكل أكمل وأجلى. فالبذرة والزهرة والثمرة كلها مظاهر القدرة الإلهية في عالم التراب.
ويأتي في الرتبة التالية عالم الحيوان وهو المسيطر على عالمي الجماد والنبات. ففيه نجد بعض الصفات الإلهية بدرجة أرقى. فإلى جانب قوتي التماسك والنمو أضيفت قوة الإحساس. وما قوة السمع والبصر إلا انعكاسات غير متكاملة في هذا العالم الأرضي لصفات الله السميع البصير.
أما الإنسان، وهو بالجسد حيوان، فقد وُهب كافة الصفات الإلهية وهو يظهرها بمستوى أسمى بكثير من الحيوان، فهو أوج الخليقة والهدف منها والمهيمن على سائر أشكال الحياة في هذا العالم. ومع أنه خلق على صورة الله ومثاله وفيه كنزت صفاته تعالى كلها، فلا يمكنه أبداً تجاوز رتبته المحدودة التي فرضها عليه الخالق.
ولا يقف ظهور الصفات الإلهية عند هذا الحد. فالدرجة التالية منه تظهر في أنبيائه ورسله. فمع أنهم متشابهون في أجسامهم وأرواحهم مع باقي البشر إلا أن رسل الله موهوبون إضافة إلى ذلك بالروح الإلهية، ولهذا تظهر الصفات الإلهية في تلك الوجودات المقدسة على أكمل صورة وأتم وجه. فوصفهم حضرة بهاءالله في آثاره بـ"المظاهر الإلهية."
في عالم المخلوقات الواسع لا يمكن للمخلوقات الدنيا إدراك ما فوقها. فعالم النبات لا يدرك وجود عالم الحيوان أو يعرف خصائصه، ولا يقدر الحيوان أن يحيط بالقدرات المتعددة للعقل الإنساني. وكذلك الحال بالنسبة للإنسان، فهو لا يمكن أن يأمل في الوصول إلى حقيقة مراتب المظاهر الإلهية بجهوده الشخصية، ولا يتسنى لأي عقل مهما كان لامعا أن يرتقي إلى تلك المراتب العليا بحيث يدرك فيها جوهرهم أو خاصيتهم.
فمظاهر أمر الله بالروح القدس المتجلية فيهم يعيشون في عالم يسمو على عالم الإنسان وفي قبضتهم مصير البشرية، ومع أنهم في طبيعتهم الإنسانية بشر، إلا أنهم يسكنون عوالم الروح التي لا يرقى إليها أي كائن. ويصفها حضرة بهاء الله بـ"سدرة المنتهى."
في الحقبة المعروفة من تاريخ البشرية ظهر قليل من مظاهر أمر الله الذين أطلوا في فترات متعاقبة امتدت كل واحدة منها ألف سنة تقريبا. فكريشنا وبوذا وزرادشت وموسى والمسيح ومحمد والباب وبهاءالله، كلٌ كان مرآة صافية عكست الأنوار الإلهية المتجلية فيها، فأسس كل منهم لقومه شريعة قدسية وتكلموا بما لديهم من سلطة ربانية. فكل واحد كان سلطان دورته، وتعاليمه أضحت روح العصر وظهرت على قدر استعداد البشرية آنذاك، وأطلق فيها قوى روحانية هدفها دفع روح الإنسان في رحلتها نحو الله.
فالكائنات قاطبة على اختلاف أنواعها -محسوسة كانت أم غير محسوسة- تظهر للوجود بغرس بذرة في أرض خصبة. وهذا نهج للخليقة لا يستثنى منه حتى الديانة السماوية نفسها.
لنتصور نجارا اختار قطعة من الخشب ليصنع منها منضدة. فالقطعة بمثابة الأرض الخصبة وعقل النجار وفنه هما البذرة الحاملة للحياة. يؤتي التفاعل بين الاثنين ثمرة هي المنضدة التي تجمع بين التناسق والجمال والشكل -وهي صفات البذرة- واللون والمتانة والنوعية من صفات الأرض الخصبة -أي قطعة الخشب.
وبالمثل تولد الحضارة، حيث يلعب فيها مؤسسها دور الأب الذي ينقل أفكاره ومبادئه إلى مجتمع ما، بينما يمثل ذلك المجتمع دور الأم، فبالعلاقة الروحية بين المؤسس والمجتمع تولد الحضارة التي تعكس الخصائص المميزة لمؤسسها ولذلك المجتمع الذي ولدت منه.
فبالعلاقة الروحية بين الله وشخص مظهر أمره تنزل الديانة السماوية، وبالحكمة الإلهية المستورة يختار مِن عباده من يجعله مهبط فيوضاته، فيطلق فيه قوى روحانية قدسية تجعل منه قطب نكران الذات في ذات الله ومحور فناء الإرادة في إرادة الحق، ليكون لائقا لتلك الطاقات الروحية.
عندما تؤسس هذه العلاقة يتم الحمل بطفل الدين الجديد، ثمرة ذلك الوصال الروحاني بين الخالق وعبده المختار الناطق بلسانه. وعند تمام الوقت تتم الولادة بإعلانه الشريعة السماوية الجديدة للبشرية. فقد أعلن حضرة الباب عن مقامه مبشرا بمن يظهره الله بعد سنة تقريبا من اختياره لهذه المهمة الإلهية. أما حضرة بهاءالله فقد انتظر عشر سنوات ليعلن عن رسالته.
كل رسالة سماوية تكتنز في شرعتها خصائص إلهية مميزة في تعاليم روحانية خالدة من جهة، وخصائص مظهره مميزة بتعاليم إنسانية واجتماعية تختلف من عصر لآخر من جهة أخرى. فمجيء الظهور الإلهي الجديد يطلق في هيكل البشرية قوى روحية تهبه إمكانات وقدرات جديدة وتمكّنه من إحراز مرتبة أعلى من التطور الروحي والمادي مثلما تهب أشعة الشمس الطبيعة في الربيع حياة جديدة.
وكونه المظهر الإلهي لهذا العصر، فقد أطلق حضرة بهاءالله في عالم الإمكان قوى العالمية وقوى وحدة العالم الإنساني، وهي في حد ذاتها تشكل ضغطاً على الإنسانية يزداد يوماً بعد يوم. فأولئك الذين عرفوا حضرة بهاءالله واتبعوه، يجدون أنفسهم مدفوعين قدما بقوة خفية وفي الاتجاه ذاته لقوى الوحدة والاتحاد، لينفذوا مهمتهم في بناء صرح نظامه العالمي الجديد للبشرية جمعاء. وهنالك من يعارض هذه القوى -عن إدراك أو جهل- وهم يؤلفون غالبية البشر بحكامههم وحكمائهم الدنيويين الذين أثاروا في مجتمعاتهم المختلفة قوى الصد والاعتراض الهدامة بطبيعتها، وعليها تقع مسئولية تصدع أركان النظام القديم.
واليوم، فإن ظهور حضرة بهاءالله قد وهب الإنسانية إمكانات وقدرات هائلة وهي الإمكانات والقدرات التي سوف تسمو بالروح البشرية -عند تمام الوقت- إلى أعلى المراتب، وتؤسس ملكوت الله على الأرض تحقيقا لوعود أنبياء الله ورسله منذ القدم.