ميلاد الدين البهائي

قبل نيّف وقرن أضاء الكون وميض إلهي هو أنفس ما في الوجود، سماوي في فيضه، عظيم في جوهره، مثير في ظروف مولده، جليل في مقام صاحبه، مميز في شمولية رسالته، غني بآثاره وفيوضاته التي لا تضاهى، ذلك هو دين حضرة بهاءالله، المظهر الإلهي لهذا العصر. وقد انبثق نور هذا الدين من زنزانة مظلمة نتنة تحت الأرض في سجن سياه ﭽال بطهران، حيث سجن حضرة بهاءالله ومعه بعض البابيين وقد أحاط به مائة وخمسون سجينا من القتلة والمجرمين في الأشهر الأخيرة من عام ۱۸٥۲م.
كان حضرة بهاءالله، واسمه ميرزا حسين علي، نبيلا من نبلاء إقليم نور في بلاد فارس. وقد أكد العلامة البهائي -ميرزا أبو الفضل- في أبحاثه التاريخية الواسعة أن نسبه يرجع إلى زرادشت وملوك بلاد فارس الساسانيين وبذلك يكون مخلّص العالم من عرق فارسي نقي، وفقا لأحاديث معينة. كما يرجع نسبه أيضاً إلى حضرة إبراهيم من ثالث زوجاته -قتورة- فجمع في شخصه فرعي الديانتين الآرية والسامية. ولد حضرة بهاءالله في طهران عام ۱۸۱٧م، وكان والده ميرزا عباس النوري معروفا بميرزا بزرك لدى الدوائر الملكية وأحد الشخصيات المهمة في بلاط الشاه.
قبل تسع سنوات تقريباً من سجنه في سياه ﭽال تسلم حضرة بهاءالله رسالة من مبعوث حضرة الباب يعلن فيها (الباب) أنه المبشر بالمظهر الإلهي الذي وعدت به الأديان السماوية. ولم يمض وقت طويل حتى قام حضرته بنشر دعوة حضرة الباب بين أقاربه وأصدقائه المقربين في إقليم نور ثم إلى الآخرين فيما بعد. اعتنق الكثيرون رسالة حضرة الباب وقاموا على نشرها ومن بينهم أعمام حضرة بهاءالله وعمّاته وإخوانه وأخواته وأبناء عمومته وغيرهم من البارزين والعلماء في إقليم نور حيث استشهد العديد منهم فيما بعد.
تميزت شخصية حضرة بهاءالله، قبل إعلان دعوة حضرة الباب، بخصال نبيلة وفضائل حميدة، تبلورت بعد ذلك متألقة بنور دين جديد ومدعومة بعنفوان ذلك الدين وقوته. وكان لا بد لشخصية مثله أن تجتذب اهتمام الناس جميعا. فعلمه اللدني، وبصيرته وحكمته، وإيمانه الراسخ، ودفاعه العلني عن دعوة حضرة الباب، وفصاحته الغالبة في شرح أصول الدين الجديد لجماعات المجتهدين والعلماء والعامة، بالإضافة إلى حنكته وحكمه النفاذ وقيادته الحكيمة لجماعة البابيين أثناء حبس حضرة الباب وبعد استشهاده، ما جعل منه محور عشق الجامعة البابية ومحط تقديرها، وبلغ من احترام الأتباع له أن أصبحوا يخاطبونه بضمير الجماعة. وفي مؤتمر بدشت لقب بـ"جناب البهاء" وهو لقب عززه حضرة الباب فيما بعد.
إن مظاهر التبجيل التي أحاطت به، مقترنة بدعوته العلنية للدين البابي، أثارت من حوله مقاومة الأعداء الذين طالما اضطهدوه في مناسبات عدة، وباتوا يتربصون به لسجنه فوجدوا فرصتهم سانحة بعد محاولة اغتيال ناصر الدين شاه من قِبل بعض البابيين الطائشين. فاعتقلوه وأجبروه على المشي أمام الخيالة الملكية بخطى سريعة حافي القدمين تقيدهما السلاسل من نياوران إلى طهران مسافة خمسة عشر ميلا تقريباً تحت أشعة الشمس الحارقة، وقد خلعوا عنه عمامته زيادة في الإذلال إذ كانت العمامة رمزا لهيبة الرجل في تلك الأيام.
لم يكن سياه ﭽال -الحفرة السوداء- سجناً عادياً بل حفرة كبيرة استخدمت لتجميع مياه أحد الحمامات العمومية في المدينة. له مدخل واحد ويقع في وسط العاصمة قريباً من مقر الشاه ومجاورا لـ"سبز ميدان"، مكان استشهاد شهداء طهران السبعة. زجّ فيه كثير من السجناء الذين حرم بعضهم من اللباس أو الفراش. إنه زنزانة مظلمة نتنة الهواء، كريهة الرائحة، أرضها رطبة مليئة بالقاذورات، إلى جانب قسوة الحرّاس والمسؤولين ووحشيتهم تجاه الضحايا البابيين الذين قيدوا معاً في ذلك المكان الموحش. طوقت عنق حضرة بهاءالله قيود تعرف باسم "قَره كُهَر" (أثقل من "السلاسل" وتزن نحو ٥۱ كيلوغراما) ثم السلاسل التي اخترقت لحمه وتركت آثاراً على جسده المبارك حتى أواخر أيامه، ومن شدة ثقلها كانت تعطى للسجين شوكة خشبية لمساعدته على حملها.
في أحد الأيام سُمح لابنه الأرشد حضرة عبدالبهاء، وكان في التاسعة من عمره (حسب التقويم القمري. وقد ولد في ۲۳ أيار من سنة ۱۸٤٤م)، أن يزور والده وذلك بفضل طيبة أحد السجانين ومحبته لحضرة بهاءالله. وعندما قطع الطفل نصف الممر أسفل الدرجات رآه والده من بعد فأمر بإبعاده فورا، وسمح له بالانتظار في باحة السجن حتى الظهيرة حينما كانت تعطى للسجناء ساعة واحدة لاستنشاق الهواء النقي. وعندما شاهد حضرة عبدالبهاء والده وهو أشعث الشعر واللحية مقيداً بالسلاسل مع ابن أخيه ميرزا محمود يسير بصعوبة بالغة وقد جرحت عنقه وانتفخت من ثقل السلاسل، وانحنى ظهره، أغمى عليه وحملوه إلى المنزل فاقد الوعي.
لقد كان مصير ميرزا محمود مأساويا، فبالرغم من عنايات حضرة بهاءالله له وشرف مشاركته القيود نفسها إلا أنه خانه بعد بضع سنين وانضم إلى يحيى أزل -الأخ غير الشقيق لحضرة بهاءالله- وعدوه اللدود وناقض عهد حضرة الباب.
في جو سياه ﭽال النتن وبأرجل مكبلة بالأغلال ورأس منحن أثقلته السلاسل الكبيرة تلقى حضرة بهاءالله، كما بيّن في "لوح ابن الذئب"، نداء الحق له مظهرا إلهيا كليا، ذلك المظهر الذي بشر به سائر الأنبياء السابقين كتجسيد كريشنا، وبوذا الخامس، وشاه بهرام، ورب الجنود، وعودة المسيح في مجد الأب، وروح الله، والذي لقّبه حضرة الباب بـ"من يظهره الله". ووصف حضرته بوادر تجلّي الروح الأعظم (اعتمد مظاهر أمر الله عبارات مختلفة لوصف نزول روح الله (الوحي) عليهم، ففي المسيحية استعمل لفظ "الروح القدس"، بينما أشار إليه حضرة بهاءالله بـ"الروح الأعظم"، مؤكدا بذلك الظهور الإلهي في أتم صورة) على روحه قائلا:
وبالرغم من أن النوم كان عزيز المنال من وطأة السلاسل والروائح النتنة حين كنت رهين سجن أرض الطاء (طهران) إلا أنني كنت في هجعاتي اليسيرة أحسّ كأن شيئا ما يتدفق من أعلى رأسي وينحدر على صدري كأنه النهر العظيم ينحدر من قلّة جبل باذخ رفيع إلى الأرض فتلتهب جميع الأعضاء لذلك. في ذلك الحين كان اللسان يرتل ما لا يقوى على الإصغاء إليه أحد.
وبينما كان حضرة بهاءالله مسجوناً في طهران أمر ناصر الدين شاه رئيس وزرائه ميرزا آقا خان أن يرسل جنودا إلى إقليم نور لاعتقال أتباع حضرة الباب في تلك الأنحاء. وحيث إن رئيس الوزراء كان من "نور" وتربطه بحضرة بهاءالله صلة نسب بزواج ابنة أخيه من ميرزا محمد حسن، الأخ غير الشقيق لحضرته، فقد بذل كل جهد لحماية أقارب حضرة بهاءالله في "نور" إلا أنه فشل.
فكان أن صادر الشاه أملاك حضرة بهاءالله وسوي منزله في "نور" بالأرض، وحتى رئيس الوزراء نفسه استغل الموقف وسجل بعض تلك الأملاك باسمه دون أن يدفع أية تعويضات. كما نهب منزل حضرة بهاءالله الفاخر في طهران وأُفرغ من أثاثه الثمين واستولى رئيس الوزراء على بعض المخطوطات القيمة، من بينها جزء من لوح لا يقدر بثمن، مخطوط على الجلد منذ أكثر من ألف عام بخط يد الإمام علي، ومخطوطة نادرة من شِعر "حافظ" كتبها خطاط مشهور. (كان محمد شاه يتلهف حينا لتملك تلك المخطوطة، ولكنه عندما علم أن عليه دفع عملة ذهبية واحدة ثمنا لكل بيت من أبيات القصيدة، البالغ عددها اثني عشر ألف بيت، تخلّى عن الفكرة)
ومع أن معظم البابيين اقتيدوا من السجن الواحد تلو الآخر ليستشهدوا في "سبز ميدان" المجاور إلا أن حياة حضرة بهاءالله سلمت بفضل العناية الإلهية ثم أُطلق سراحه بعد أربعة أشهر وأمر بمغادرة بلاد فارس خلال شهر واحد.