نبذة تاريخية

إنّ التأكيد على أنّ هناك ديناً مستقلاً عن باقي الأديان لا يعني أنّ هذا الدين قد بدأ من فراغ. فقد ظهرت البوذية من الهندوسية التقليدية وبعد أن عبرت البوذية جبال الهمالايا أخذت شكلها الكامل كدين مستقل وقُدِّرَ لها أن تكون قوة ثقافية رئيسية في الصين واليابان وأراضي جنوب شرق آسيا. وبالمثل فقد بدأ السيد المسيح وأتباعه دعوتهم في ظل الدعوة اليهودية، ولمدة قرنين اعتبرت الشعوب المجاورة لها أنَّها دعوة تجديدية متفرعة عن الديانة الأم. لم تعرف المسيحية ديانة مستقلة بكتابها المقدس وما لها من أحكام ومؤسسات وشعائر دينية إلا عندما بدأت في جذب أعداد كبيرة من الناس من العديد من أجناس وأعراق غير سامية في أطراف البحر الأبيض المتوسط.
نشأ الدين البهائي من الإسلام مثلما نشأت المسيحية من عقيدة اليهود حول ظهور المسيح. وعليه تكون البهائية قد حققت الاعتقاد الإسلامي بمجيء اليوم الآخر. وعلى هذا السياق فإنَّ الدين البهائي مستقل تماماً عن دين نشأته. وهذا ما أكده أخيراً واعترف به أحد كبار علماء الإسلام وهو العالم الجليل سيد محمد حسين طباطبائي حيث قال صراحة:
الفرقة البابيّة والبهائيّة... يجب على أن لا تعتبر بأي حال فرق منشعبة من الشيعة.
وأيضاً:
حتى المسلمون السنّة أقروا بعدم وجود ارتباط بينهم وبين الدين البهائي.   - من كتاب "الشيعة في الإسلام" للعلامة سيد محمد حسين طباطبائي، ص ٧٦.
وفي عام ١٩٢٥م أصدرت المحكمة الشرعية في ببا بمصر الحكم التالي:
إنّ البهائية دين جديد قائم بذاته له عقائد وأصول وأحكام خاصة تغاير وتناقض عقائد وأصول وأحكام الدين الإسلامي تناقضاً تاماً، فلا يقال للبهائي مسلم ولا العكس كما لا يقال للبوذي أو البرهمي أو المسيحي مسلم ولا العكس.   - صدر هذا الحكم بتاريخ ١٠أيار (مايو) من عام ١٩٢٥ وصادقت عليه الدوائر الدينية العليا في القاهرة وأصبح حكماً نهائياً ونشر في "كتاب القرن البديع" لحضرة ولي أمر الله - ترجمة الدكتور محمد العزاوي، ص٤٥٢.
ظهر هذا الدين الجديد أولاً في بلاد فارس ذات الغالبية الإسلامية ومن ثم انتشر بين المناطق الإسلامية المجاورة التابعة للإمبراطورية العثمانية والروسية ووصل إلى شمال الهند. وعلى الرغم من أنَّ بعض المؤمنين الأوائل كانوا من خلفيات يهودية ومسيحية وزردشتية ولكن غالبيتهم كانوا من المسلمين وكانت أفكارهم الدينية مستوحاة من القرآن. وقد اهتموا أصلاً في أفكار ومعتقدات الدين الجديد الخاصة بتحقيق النبوءات والبشارات القرآنية وتفسير التعاليم الإسلامية. وقد أعتبر علماء الدين المسلمون أتباع هذه الدعوة الجديدة مرتدين ومارقين على الإسلام.
ونظراً للخلفية الإسلامية للدين البهائي فإنَّه من المهم أن نبدأ دراستنا بالأخذ بعين الاعتبار الأصل الإسلامي الذي نشأ منه الدين البهائي. هذا الأمر هام لسبب آخر وهو أن الإسلام يتطابق مع مفهوم التاريخ الديني والعلاقة بين الأديان واللتين تعتبران أساس التعاليم البهائية. وربما يكون الدين البهائي فريداً في ذلك حيث إنَّه يقبل دون قيد أو شرط حقيقة وسماوية الأديان العظيمة الأخرى. يعتقد البهائيون بأنّ سيدنا إبراهيم وموسى وزردشت وبوذا والمسيح ومحمداً هم جميعاً رسل مبعوثون من جانب إله واحد. فتعاليم ومبادئ هؤلاء الأنبياء والمرسلين هي بمثابة الطريق للخلاص والنجاة التي تساهم في إصلاح وتعديل شئون العالم لأنَّ الإنسان كما يقول حضرة بهاءالله "قد خلق من أجل إصلاح العالم" ولكن ما يعتقده البهائيون هو أنَّ الهداية الإلهية خلال فترات مختلفة من تاريخ الجنس البشري هي هداية متدرجة ومستمرة. إنَّ كل رسالة سماوية جاءت أكمل وأشمل عن سابقتها وكل واحدة تمهد الطريق للأخرى. ومن هذا المنظور يعتبر الإسلام وكآخر الأديان السابقة المرجع التاريخي الأقرب للبهائية. وليس بالعجب أن نلاحظ أنَّ الكتب والمؤلفات البهائية مليئة بالاصطلاحات والمفاهيم القرآنية.
إنَّ فهم بعض العقائد والأفكار الإسلامية لها أهميتها الخاصة نحو فهم واضح للدين البهائي. وكما يعتقد المسلمون فإنّ البهائيين يؤمنون أيضاً بأنّ هناك إلهاً واحداً لا شريك له وهو عظيم في ذاته ومقدس عن الإدراك وقد أظهر مشيئته للبشرية من خلال إرساله الأنبياء والمرسلين الذين يسمّون عند البهائيين بمظاهر أمر الله. فهدف مظهر أمر الله هو توفير الهداية الكاملة، ليس للنمو الروحي للفرد المؤمن فحسب، بل لإعادة تشكيل بنية المجتمع الإنساني أيضاً. هناك فرق واضح بين الإسلام والبهائية في هذا السياق. فبينما يقر الإسلام بشرعة اليهودية والمسيحية فقط من بين الأديان الموجودة اليوم، فإنّ البهائية تقول بأنَّ جميع الأديان هي جزء لا يتجزأ من خطة إلهية واحدة ومحكمة. يقول حضرة بهاءالله في هذا الخصوص:
لا شك بأنّ جميع الأحزاب متوجهة إلى الأفق الأعلى وعاملون بأمر الحق ونظراً لمقتضيات العصر اختلفت الأوامر والأحكام ولكن الكل نزل من عند الله.   - من كتاب "منتخبات من آثار حضرة بهاءالله"، ص ١٤١.
وجانب آخر في الإسلام كان له تأثيره في نمو الدين الجديد واستوجب رد فعل من جموع المسلمين. فقد انقسم الإسلام إلى فرق ومذاهب مختلفة مثل سابقتها المسيحية. ومن أهمها مذهب الشيعة الذي يؤمن أصحابه بأنَّ رغبة الرسول محمد عليه السلام كانت بأن تورث الزعامة الروحية والدنيوية إلى المخلصين والمؤمنين من أتباعه. هؤلاء المختارون هـــم "الأئمة" أو "الزعماء" وإنهم معصومون عصمة تامة في قيامهم بالمسئوليات الملقاة على عاتقهم. إلا أنّ غالبية المسلمين رفضوا هذا الأمر انطلاقاً من إيمانهم بأنّ سنّة رسول الله (ص) فيها الهداية الكافية، وعليه أطلق على الذين سلكوا هذا الطريق "بالسنّة." وعلى الرغم من أنّ المسلمين السنّة يزيد عددهم عن الشيعة اليوم ويصفهم علماء الغرب بالأرثوذكس لأنَّهم خرجوا عن إجماع الشيعة، ولكن للشيعة تقاليدهم القديمة التي يراعونها وهو ما كان موضوع دراسة جادة ومستمرة من جانب العلماء غير المسلمي.
في عام ٦٦١ ميلادي أي بعد مرور تسع وعشرين سنة على وفاة الرسول محمد عليه السلام انتقلت الخلافة الإسلامية إلى خلافة وراثية لمجموعة من العائلات الحاكمة ولو إنَّها نظرياً كانت بالانتخاب ولكن في الواقع كانت تمثل سيطرة لمجموعة من العشائر القوية. فكان أول سلالتين من السلالات السنيّة الحاكمة الأمويين والعباسيين الذين رأوا في "الإمام" تحدياً لشرعيتهم فكان أنْ قتل الأئمة الواحد تلو الآخر ابتداءً بالحسن والحسين عليهما السلام أحفاد الرسول محمد عليه السلام. هؤلاء الأئمة أو الذين هم من نسل الرسول الكريم اعتبرهم الشيعة في وقت ما شهداء وقديسين.
وبالرغم من أنّ الشيعة قد نشأت بين القبائل العربية، ولكن نفوذها الكبير كان في بلاد فارس. ومنذ البداية كان المؤمنون الجدد للإسلام من أهل الفرس تشدهم فكرة الأمامية كمرجع إلهي تم تعيينه. وعلى عكس ما كان العرب عليه، فقد كان للفرس حكومة وراثية يحكمها ملك اعتبروه معيّناً من جانب الحق تبارك وتعالى وإنّ الإخلاص والولاء الذي كان موجّهاً للحاكم آنذاك قد تحول بمرور الزمن إلى أحفاد الرسول وخلفائه المعيّنين. وبعد عدة قرون من الضيق والشدة قاساها الشيعة على يد خلفاء السنّة تمّكنت الإمامية أخيراً من الانتصار في بلاد فارس بالبروز من خلال حكم الصفوية القوي في القرن السادس عشر الميلادي.
ومنذ ذلك الوقت انتهت سلالة الأئمة الأطهار. ومما يميز الشيعة الإيرانيين اعتقادهم بأنَّه في عام ٨٧٣ ميلادي اختفى الإمام الثاني عشر، وهو ما زال طفلاً، في مخبأ هرباً من مصير أسلافه. ويسود الاعتقاد بأنَّه سيظهر في "آخر الزمان" ويبّشر الناس بظهور العدل في العالم. هذا الاعتقاد "باليوم الآخر" له مفهوم مشابه لدى المسيحيين فيما يتعلق برجوع المسيح وبعودة مايتريا بوذا "بوذا المصلح العالمي" الذي وعد بظهوره بوذا ماهايانا. ومن بين الألقاب الأخرى التي لقب بها المسلمون الموعود "الإمام الغائب" و"المهدي" وقائم آل محمد (أي الذي سيظهر من عترة النبي محمد عليه السلام) بعد تسع وستين سنة من غيبة الإمام الغائب أو الإمام الثاني عشر قيل إنه اتصل بأتباعه بواسطة مجموعة من مندوبيه. هؤلاء الوسطاء أو المندوبون أخذوا لقب "الباب" لأنَّهم كانوا الطريق الوحيد للإمام الغائب. وحتى عام ٩٤١ ميلادية كان هناك أربعة منهم، وعندما توفى الباب الأخير لم يعيَّن من سيخلفه.
إنَّ إحجام الإمام الغائب أو الباب الأخير عن تسمية خليفة له دفع بالشيعة إلى ترك الأمر بيد الله المقتدر القدير الذي سيبعث في الميقات المحدد رسولاً أو رسلاً من جانبه وسيكون أحدهم هذا الإمام المهدي أو القائم الموعود الذي طال انتظاره والذي سيكون سبيل الهداية الإلهية المباشرة للعالم البشري. إنَّه اعتقاد توجهت به الأنظار إلى البابية والبهائية التي ظهرت في منتصف القرن التاسع عشر.