اتّخاذ لغة عالمية إضافية

إنّ تعدد اللغات، وهو ما يتصف به عالمنا المتحضر اليوم، يعتبر عقبة رئيسية أمام وحدة العالم. فعلى مستوى الاتصالات الفعلية فإنّ وجود لغات متعددة يجعل من الصعب تدفق المعلومات بشكل يسير ويجعل من الصعب على الفرد المتحدث بلغة واحدة أن يحصل على منظور عالمي لأحداث العالم. هناك توجه من قبل بعض الفئات أو الشعوب نحو التمسك بلغتها وثقافتها وبالتالي اعتبارها أفضل وأحسن من غيرها. هذه النظرة الفوقية أو الغلو في الوطنية عادة ما تؤدي إلى الصراع.
ولهذا فليس من العجب أنْ نرى أنّ الحل الذي طرحه حضرة بهاءالله لوحدة الجنس البشري يتضمن تبنّي لغة عالمية إضافية. حيث دعا حضرته إلى تعلم لغة أخرى واحدة في جميع المدارس التعليمية في العالم. وبذلك وخلال جيل واحد يستطيع الكل أنْ يتعلم بالإضافة إلى لغته الأصلية لغة عالمية أخرى مشتركة. هذه اللغة العالمية يمكن أنْ تكون لغة مخترعة مثل لغة الاسبرانتو أو من إحدى اللغات المتداولة. ومن محاسن اختيار إحدى اللغات الموجودة، هو وجود نسبة من شعوب العالم يتحدثون بها ويتعلمونها بينما من محاسن اختراع لغة جديدة هو حيادية هذه اللغة وأيضاً إعطاء الفرصة لإيجاد قواعد لغوية بسيطة وسهلة.
ومما لاشك فيه أنّ تعدد الثقافات واختلاف الآداب وتباينها لهو كنز ثمين تنهل منه البشرية لتبني به حضارتها وتقدمها وتتمتع بالتطور والازدهار في شتى مجالات العلوم والفنون والاختراعات والاكتشافات، ومع اختلاف اللغات وتعددها بشكل مذهل سيبقى الجزء الأكبر من هذا الكنز محجوباً عن عقول وقلوب معظم البشر. فلنتصور مقدار السعادة الدنيوية لو وضع أمام الفرد مائدة من المعرفة من جميع الأصناف المتاحة واستطاع أن يتناول منها ما يشاء بلغة يفهمها تماماً، ثم تسلّّح بهذه اللغة ودخل عالم التجارة والسياسة وغيرها ستنفتح أمامه نافذة يطل بها على العالم وأحواله ومجرياته ويشعر عندها بأنّه جزء من هذا العالم في مشاعره وإحساساته وتفاعله، وأنّه أينما حلّ سيشعر أنّه في وطنه وليس غريباً.
كم من المنازعات والمجادلات قامت في أرجاء العالم وأدت إلى حروب مدمرة بسبب عدم فهم لغة بعضنا البعض ولا ثقافاتنا وتقاليدنا أيضاً أو بسبب إساءة فهم بنود اتفاقية ما وتفسيرها نتيجة الترجمة التي تفتقر إلى روح النص الأصلي والوصول إلى الهدف المقصود في أغلب الأحيان، وكم من الأموال صرفت في هذا المجال ويا ليت كانت النتائج دقيقة ومرضية. ولنأخذ مثلاً هيئة الأمم المتحدة التي تستخدم ست لغات رسمية في مداولاتها، فلو اقتصر الأمر على لغة واحدة يفهمها الجميع فكم من الثمار اليانعة سوف تجني ويجني العالم! إنّ أساس حياتنا على هذا الكوكب أصبح التفاهم وكل شيء فيه يدعونا إلى ذلك بكل حرقة وإلحاح إذا أردنا أنْ نعيش حياة إنسانية ترضي الله أولاً، وهذا ما يسعى إليه كل مخلوق آدمي، وتحكي عن الفضائل الإلهية الكامنة في جوهر الإنسان، فكفى الإنسان خروجاً عن فطرة روحه الخيّرة وجنوحاً إلى شهواته النفسية، ذلك الجانب الحيواني من طبيعته المادية. ولذلك بُعث الطبيب الإلهي، حضرة بهاءالله، للبشرية كافة مخاطباً أياهم بقوله:
الإشراق السادس اتحاد العباد واتفاقهم فلم تزل آفاق العالم مستضيئة بنور الإتحاد والسبب الأعظم في ذلك معرفة بعضهم لغة بعض وكذلك الخط. إنَّا أمرنا أمراء بيت العدل من قبلُ في الألواح أنْ يختاروا لغة من اللغات الموجودة أو يبتدعوا لغة جديدة، وكذلك يختاروا خطاً من الخطوط ويعلموا به الأطفال في مدارس العالم حتى يُشاهَد العالم وطناً واحداً وأرضاً واحدة.  - بهاءالله "لوح الاشراقات"
والآن نجد أنّ معظم الناس أخذوا يشعرون بأهمية هذا الموضوع، وأنّ الوسيلة الوحيدة للتخاطب والتفاهم بين مختلف الشعوب والأمم هي الإتفاق على لغة عالمية واحدة أو ابتداع لغة جديدة تدرّس في جميع المدارس في العالم إلى جانب اللغة القومية، وبذلك لا يحتاج الفرد في حياته إلا إلى تعلّم لغتين فقط لحل مشاكله السياسية والإجتماعية والإقتصادية وغيرها، وبعكس ذلك سيبقى سوف التفاهم ومضاعفاته وتبعاته سيد الموقف في كل شؤون حياتنا.