التحكيم الدولي

تأسيس محكمة عدل دوليّة
السلام هو الأساس في حياة الإنسان

لقد أصبح إنسان اليوم إنساناً ناضجاً في فكره سامياً بروحه مؤمناً إيماناً قاطعاً بأن مشاكله الفردية والجماعية والأممية لا تحلّ بالعنف والسلاح خروجاً عن فطرته، وإنما بالتفاهم والحوار السامي الذي يحقق غاية الله في خلق الإنسان على هذا الكوكب. وعليه أصبحت كلمات القتل والهدم والتدمير لا تليق به وهو أشرف المخلوقات، وغدت ممجوجة مستهجنة من قبل نفر غير قليل من عموم الجنس البشري.
قبل أكثر من قرن ونصف أمر حضرة بهاءالله أتباعه بلغة صريحة وقوية بعدم استعمال القوة أو حمل السلاح مهما كانت الأغراض حتى لو كانت دفاعية بحتة. وتاريخ الدين البهائي زاخر بالأحداث التي تناولت مؤمنيه الأوائل بشتى أنواع التعذيب والتنكيل والقتل بكل وحشية بسبب عقيدتهم، فتحملوا كل ذلك وصبروا واستشهدوا دون أن يشهروا سلاحاً سوى سلاح المحبة والتسامح بكل شجاعة وجلد ذهل له كل من رآهم وسمع بهم أكانوا من عامة الناس أو سفراء الدول والأدباء والصحفيين الذين لم يستطيعوا حبس أقلامهم عن وصف ما شعروا به أنذاك. وكان المؤمن الذي امتحنت طاعته لمولاه بعدم اللجوء إلى العنف والمقاومة إنما كانت مباهج الدنيا لا تساوي شيئاً أمام سعادته الحقيقية في تقديم البرهان الأعظم على مدى قوة وتأثير المحبة والتسامح القلبيين، فكان يقف في ميدان الشهادة ويقبّل يدي جلاّده ويحيطه بدفء محبته ويدعو له ثم يقابل وجه ربه بالرضا والتسليم والفرح والسرور. ومواقف كهذه كانت تجلب مئات المؤمنين الجدد بعد ذلك. وبهذا الصدد كتب لنا حضرة عبدالبهاء ما يلي:
حينما ظهر بهاءالله أعلن بأنّ نشر الحقيقة لا يجوز أبداً بهذه الوسائل حتى ولو كان استخدامها لغرض الدفاع عن النفس، فنسخ آية السيف... وتفضّل: ’أنْ تُقتَلوا خير لكم من أنْ تَقتُلوا.‘ فانتشار أمر الله وترويجه يتمّ عن طريق ثبات الأحباء وإيقانهم. وحينما يقومون على إعلاء كلمة الله دون خوف واضطراب وبمنتهى الانقطاع ويغمضون أعينهم عن شؤونات العالم ويشغلون أوقاتهم في خدمة الله، فحينذاك تـنتصر كلمة الحقّ. وتشهد هذه النفوس المقدّسة بدمائها على حقيقة الأمر وعلى إخلاصها في إيمانها وعلى تضحيتها وعلى استقامتها. وهو سبحانه قادر على نشر أمره وخذلان اعدائه. ونحن لن نبتغيَ معيناً ولا ناصراً إلاّ إيّاه. ونحن واقفون أمام المعتدين وأرواحنا فوق أكفّنا مرحّبين بالاستشهاد في سبيل الله لنبلغ به آمال قلوبنا وأمانينا.  - بهاءالله والعصر الجديد، ص٢٢٧-٢٢٨
وقد كتب حضرة بهاءالله إلى أحد الذين قاموا على اضطهاد أمره ما ترجمته:
سبحان الله ما حاجة هذا الحزب إلى السلاح بعد أنْ شمّر عن ساعد الجدّ على العمل في إصلاح العالم!؟ فجنودهم الأعمال الطّيبة وسلاحهم الأخلاق المرضيّة وقائدهم تقوى الله طوبى لمن أنصف. لعمر الله إنّ هذا الحزب قد بلغ به صبره وسكونه إلى مقام مظاهر العدل في العالم، وبلغ به تسليمه ورضاؤه إلى مقام رضي بالقتل ولم يرض لنفسه أنْ يقتلَ أحداً، مع أنّ ما أصاب المظلومين على الأرض في هذا اليوم شيء لم تر مثله عين التّاريخ ولا رأت شبهه عين الأمم. فما هو السبب في قبولهم لهذه البلايا العظيمة، وعدم قيامهم على دفعها و الردّ عليها؟ السبب في ذلك هو القلم الأعلى الذي منعهم عن ذلك صباحاً ومساءً، وأخذ مولى الورى أزمّة الأمور بيد قدرته وكفّ اقتداره.  - لوح ابن الذئب
ولكن، متى يجوز استعمال العنف؟
ولو أنّ بهاءالله كالمسيح ينصح أتباعه فرادى وجماعات بالوقوف تجاه المعتدين موقف التّسامح وعدم العنف والمقاومة، ولكنّه يؤكّد واجب الهيئة الاجتماعيّة في منع الظّلم والعدوان. فإذا ما اضطُهد الأفراد وأوذوا فمن حقّهم العفو والصّفح وعدم الأخذ بالثأر، ولكنّ الهيئة الاجتماعيّة لا يصحّ أنْ تسمحَ لحوادث النهب والسلب والقتل بأن تجري في أراضيها وهي مكتوفة الأيدي تجاهها. فمن إحدى واجبات الحكومة الصّالحة منع الظّلم ومعاقبة المعتدين.   - أنظر الى موضوع "معاملة المجرمين" في الصفحات ٢٠٨-٢١٠ من كتاب "بهاءالله والعصر الجديد"
وكذلك الأمر في الهيئة الاجتماعيّة الدوليّة، فإذا ظلمت أمّةٌ أمّةً أو تجاوزت عليها فمن واجب الأمم الأخرى جميعها أنْ تتّحد على منع مثل هذا الظّلم. فقد كتب حضرة عبدالبهاء ما يلي مترجماً:-
قد يجوز أن تهجم جموع وحشيّة متعطّشة للدّماء على الهيئة الاجتماعيّة وتقصد من هجومها القتل العام، ففي هذه الحال يكون الدفاع لزاماً ضدّ المعتدين.   - حكمة عبدالبهاء، ص ١٧٠
وقد جرت عادة البشر حتى الآن على أنْ تبقى الأمم على حيادها إذا هاجمت أمّةٌ أمّةً أخرى، ولا تتحمّل بقية الأمم مسؤوليّة التدخّل بينهما إلاّ إذا تأثّرت مصالحها أو تعرّضت إلى الأخطار. وكانت أعباء الدفاع تلقى على كاهل الأمّة التي تتعرّض إلى الهجوم مهما كانت ضعيفة لا حول ولا قوّة لها. لكنّ تعاليم حضرة بهاءالله قلبت هذا الموقف رأساً على عقب، وألقت مسؤوليّة الدفاع على عاتق جميع الأمم فرادى وجمعاً لا على عاتق الأمّة المعتدى عليها وحدها. وحيث إنّ الإنسانيّة جمعاء بمثابة هيئة اجتماعيّة واحدة، فإنّ أيّ هجوم تتعرّض له إحدى الأمم هو هجوم على الهيئة الاجتماعيّة. ويجب أنْ تقومَ كلّ الهيئة الاجتماعيّة على مجابهته. ولو اعترف الناس بهذه النظرية اعترافاً شاملاً وطبّقوها، لعلمت كلّ أمّة تـنوي العدوان على غيرها أنّها ستجابه مقاومة جميع أمم العالم لا مقاومة الأمّة التي تهاجمها، وحينذاك يكفي العلم بهذا ردع أشجع الأمم وأشرسها. وعندما تتأسّس عصبة أمم قويّة من أمم مُحِبّة للسّلام، تصبح الحرب في خبر كان. وخلال فترة الانتقال من الفوضى الدوليّة إلى الوحدة الدوليّة ستحدث حروب تعسّفيّة، وفي هذه الحال يكون لزاماً على الأمم اتّخاذ إجراءات قويّة في سبيل الحفاظ على العدل الدولي والوحدة والسلام. وفي كتابه "الرّسالة المدنيّة" كتب لنا حضرة عبدالبهاء ما ترجمته:
بل قد تكون الحرب أحياناً أساساً للصّلح الأعظم، كما قد يكون التّدمير سبباً للتّعمير... وتقوم الحرب على نوايا صالحة فيكون الغضب عين اللّطف والظّلم جوهر العدل والحرب بنيان الصّلح. ويليق بالملوك العظام اليوم أنْ يؤسّسوا الصّلح العمومي، لأنّ فيه ولا شك حريّة العالمين.

ومع كل ذلك يجب العمل على تحديد التسلّح

لم يعد التسابق في التسلح بجميع أنواع الأسلحة الفتاكة يُشعر أية دولة في العالم بالقوة والسيطرة ولا بالأمان والإطمئنان، إذ في القوة ضعف مهما كبرت وتعاظمت وفي الضعف قوة مهما صغر وقلّ. فلا يمكن للغة السلاح أن تصنع السلام والألفة والوئام. فكم من أموال هدرت وأخذت من أقوات الجياع لتصرف على الدمار والخراب، وكم من دول تنافست وتسابقت في هذا المضمار وكان مصيرها الهلاك والاضمحلال. فالجميع مهزوم في الحروب وأكبر مهزوم فيها القيم والفضائل والمُثُل والأخلاق التي غرستها الأديان في الإنسانية على مرّ العصور. فهل من خسارة أفدح؟ وهل من انهزام أكبر؟ وعليه خاطب حضرة بهاءالله حكام الأرض بين عامي بما يمكن اعتباره دعوة إلى تأسيس عصبة الأمم بقوله:
يا معشر الأمراء أصلحوا ذات بينكم، إذاً لا تحتاجون إلى كثرة العساكر ومهماتهم إلا على قدر تحفظون بها ممالككم وبلدانكم… اتحدوا يا معشر الملوك به تسكن أرياح الإختلاف بينكم وتستريح الرعية ومَن حولكم… إن قام أحد منكم على الآخر قوموا عليه إن هذا إلا عدل مبين.   - آثار القلم الاعلى، المجلد الاول، ص٥٨
ويقول حضرة عبدالبهاء:
على جميع دول العالم أنْ تتّفقَ على نزع السلاح. وإذا ما ألقت دولة واحدة أسلحتها، ولم تلقها الدول الأخرى، فلن تكون لذلك أيّة ثمرة، بل يجب أنْ تعقدَ أمم العالم متّحدة ميثاقاً غليظاً في هذا الأمر الخطير على أنْ تتركَ نهائيّاً آلات الحرب التي تهدم بنيان الإنسانيّة. وما دامت إحدى الأمم تزيد في قوّاتها العسكريّة والبحريّة، فإنّ الدول الأخرى تضطر إلى المنافسة المشؤومة هذه، فتزيد من قوّاتها.   - مترجم "يوميات ميرزا احمد سهراب" في أيار ١١-١٤، سنة ١٩١٤

اتحاد الشرق والغرب

ومن أجل إرساء أسباب السلام وجعل دعائمه قوية الأركان علينا السعي بكل جهد إلى تأسيس ذلك الرابط القوي بين الشرق والغرب، ذلك لأن الصلح الأعظم ليس مجرد هدنة تعلن واتفاقيات توقع ومعاهدات تبرم، بل هو صهر لقوى العالم وتوحيدها في برنامج عالمي من التعاون والتضحية بين أمم الأرض قاطبة تاركة وراءها إلى غير رجعة جميع عوامل التمزيق والشرذمة حتى تعمل معاً في عمل ودّي مثمر تشارك فيه قوى الأرض من أجل صالح الإنسانية جمعاء. وفي إحدى خطاباته في باريس أخبرنا حضرة عبدالبهاء بقوله:
منذ البداية حتى اليوم كانت شمس الحقيقة تشرق من أفق الشرق، فحضرة موسى ربّى الخلق وهداهم في الشرق، وحضرة عيسى ظهر من أفق الشرق، وحضرة محمد بُعث إلى أمّة في الشرق، وحضرة الباب ظهر في إيران في بلاد الشرق، وحضرة بهاءالله ظهر من الشرق وتفضّل بأنّ كوكب المسيح الساطع ولو أنّه طلع من الشرق لكنّه أرسل أشعته النوراء إلى الغرب فانتشرت أنوار الملكوت في الغرب انتشاراً أكبر من الشرق وراجت تعاليمه المباركة في عالم الغرب أسرع من رواجها في موطن ولادة حضرته. ويحتاج الشرق اليوم إلى ترقيات الغرب الماديّة، كما يحتاج الغرب إلى الكمالات والفضائل الرّوحانيّة. فيليق بالغرب أنْ يستفيضَ من أنوار الشرق ويعطيه حظّاً ونصيباً من علومه واختراعاته. نعم يجب تبادل هذه المواهب ويجب أنْ يكمل الشرق والغرب نقائص بعضهما البعض بكلّ اتّحاد. وسيكون هذا الاتّحاد سبباً في تحقيق المدنيّة الحقيقيّة وفي انضمام المدنيّة الماديّة إلى المدنيّة الرّوحانيّة. وحينما يجري هذا الأخذ والعطاء بين الطّرفين تحدث بينهما منتهى الألفة والوئام، فيتّحد الجّميع ويتجلّى أقصى كمال ويحدث امتزاج وامتشاج متين ويصبح العالم مرآة الصّفات الإلهيّة. إذاً يجب علينا نحن أهل الشرق والغرب أنْ نبذلَ الجهد ليلاً ونهاراً بأرواحنا وقلوبنا، ونحقّق هذا المقصد الجليل، ونقوّي الألفة والاتحاد بين ملل الأرض، حتى تنشرح القلوب وتتنوّر العيون وتنهال التوفيقات العظيمة علينا وتتحقّق سعادة النوع البشري. وهذه هي الجّنّة التي يجب ظهورها على الأرض حينما تحشر البشريّة جمعاء في ظلّ خيمة الوحدة والاتّحاد في الملكوت الإلهي.

أنوار المدنية الحقيقية

بعد ذلك ستنعم الإنسانية بالمدنية الحقيقية، مدنية قائمة على السلام والمحبة والأخوّة والتعاون بين بني البشر بجميع أطيافه ومكوّناته، فيعتبر كل واحد نفسه مسؤولاً ومساهماً في صنع سعادة غيره وتوفير الحياة الكريمة لبني جنسه فيكون بذلك خليّة حيّة في جسد البشرية يمده بالحياة ويستمد حياته منه. وفي الكلمات التالية يخاطب حضرة عبدالبهاء أولئك القيّمين على مصالح العباد والمؤتمَنين على شؤونهم:
نعم ان التمدّن الحقيقي لينشر أعلامه في قطب العالم عندما يتقدم ذوو الهمة العالية من أعاظم الملوك الذين هم مشرقون كالشمس في عالم الغيرة والحمية، ويعملون بالعزم الأكيد والرأي السديد على خير البشر وسعادته، فيطرحون مسألة السلام العام في مجال المشورة، ويتشبثون بجميع الوسائل والوسائط و يعقدون مؤتمراً عالمياً، و يبرمون معاهدة قوية، و يؤسسون ميثاقاً بشروط محكمة ثابتة فيعلنونها، ثم يؤكدونها بالاتفاق مع الهيئة البشرية بأسرها، فيعتبر كل سكان الأرض هذا الأمر الأتم الأقوم الذي هو في الحقيقة سبب اطمئنان الخليقة أمراً مقدساً، و تهتم جميع قوى العالم لثبات هذا العهد الأعظم وبقائه، ثم تعين حدود كل دولة وتحدد ثغورها في هذه المعاهدة العامة، ويعلن بوضوح عن مسلك كل حكومة ونهجها، و تتقرر جميع المعاهدات والاتفاقات الدولية و تتحدد الروابط و الضوابط بين هيئة الحكومة البشرية. و كذلك يجب ان تكون الطاقة الحربية لكل حكومة معلومة و محددة، ذلك لأنه إذا ازدادت الاستعدادات الحربية والقوى العسكرية لدى إحدى الدول، كان ذلك سبباً لتخوف الدول الأخرى. وقصارى القول يجب أن يبنى هذا العهد القويم على أساس أنه إذا أخلّت دولة ما بشرط من الشروط من بعد إبرامه قامت كل دول العالم على اضمحلالها، بل هبّت الهيئة البشرية جميعاً لتدميرها بكل قوتها. ... فجميع الملل والدول يجب أن يجدوا الراحة و الطمأنينة في ظلال سرادق الصلح الأكبر. وهذا يستلزم أن تقوم جميع الدول والملل بتأسيس محكمة كبرى عن طريق الانتخاب العام، لتفصل في نزاع الدول وخلاف الملل وذلك حتى لا تنتهى هذه الخلافات بالحروب. ... إن العالم محتاج الى الصلح العمومي، وما لم يتم اعلان الصلح العمومي لن يرتاح العالم ولا بد أن تشكل الدول والملل محكمة كبرى حتى يرجعوا إليها في الاختلافات وتفصل تلك المحكمة في تلك الاختلافات وكما تفصل المحكمة في الاختلافات التي تحصل بين الأفراد وكذلك تفصل المحكمة الكبرى في اختلافات الدول والملل حتى لا يبقى مجال للحرب والقتال.   - الرسالة المدنية، ص٤٢-٤٣

المحكمة الدولية

كانت كلمات حضرة عبدالبهاء توضيحاً لما أوصى به حضرة بهاءالله بضرورة تأسيس محكمة دوليّة للتحكيم تفصل في المنازعات التي تـنجم بين الأمم فصلاً عادلاً حكيماً بدلاً من لجوئها إلى محن الحروب. وكتب حضرةعبدالبهاء في رسالة وجّهها إلى سكرتير مؤتمر الصّلح في موهونك في أغسطس (آب) ۱۹۱۱م ما ترجمته:
أمر حضرة بهاءالله الكلّ قبل خمسين سنة في الكتاب الأقدس بتشكيل مجلس صلح دوليّ عام، ودعا أمم العالم إلى المائدة الإلهيّة- مائدة المحكمة الدوليّة الكبرى، حتى تـنحلّ على يد بيت العدل جميع مشاكل الحدود والثغور وحقوق الملكيّة والسيادة والشرف القومي وغير ذلك من المشاكل العظيمة التي تـنشأ بين الدول والملل، فلا تجرؤ أيّة أمّة على مخالفة قرار تلك المحكمة أو الانحراف عنه. ولو نشأ نزاع بين أمّتين، وجب الفصل فيه في هذه المحكمة الدوليّة الكبرى فصلاً عادلاً. وكما يصدر الحاكم حكمه في النزاع بين شخصين، كذلك تصدر هذه المحكمة حكماً قاطعاً. وفي أيّ وقت تتردّد فيه أيّة دولة من الدول أو تتراخى في تـنفيذ حكم المحكمة الكبرى يجب على جميع ملل العالم أنْ تقومَ بتدمير هذا العصيان.
وقال كذلك في إحدى الخطابات التي ألقاها في باريس سنة ۱۹۱۱م:
تتشكّل المحكمة الكبرى من أمم العالم ودوله، أي تشترك في انتخاب أعضائها كلّ أمّة وكلّ حكومة في العالم. ويجتمع أعضاؤها في دار الشورى العظيمة هذه بكلّ اتّحاد واتّفاق، وتعرض على هذه المحكمة جميع المنازعات الدوليّة، ومن وظائفها المشاورة في كلّ قضيّة، والفصل في كلّ أمر من الأمور، وإلاّ فإنّها تصبح بدون هذا سبباً في الحروب، والوظيفة الملقاة على عاتق هذه المحكمة هي منع الحروب.
وخلال ربع القرن الذي سبق تأسيس عصبة الأمم، تاسّست في لاهاي سنة ۱۹۰۰م محكمة دائميّة للتحكيم الدولي، وفيها وقّعت كثير من معاهدات التحكيم، ولكنّ معظمها عجِزَ عن الوصول إلى مستوى مقترحات حضرة بهاءالله الشاملة. ولم تعقد بين دولتين عظيمتين أيّة معاهدة تحكيم تتضمّن الفصل في جميع الشؤون، ولهذا كان المتوقّع أنْ تظهرَ بين الدول اختلافات تؤثّرعلى "المصالح الحيويّة" و"الشرف" و"الاستقلال" في كلّ واحدة منها. ولم يقتصر الأمر على هذا وحده، بل إنّ بنود هذه المعاهدات كان ينقصها وجود ضمانات فعّالة تلتزم بها الأمم. ووراء هذه المقترحات البهائيّة ستكون هناك في عصبة الأمم العالميّة ضمانات عليا حول قضايا الحدود والشرف القومي والمصالح الحيويّة، ولنْ يبلغَ التحكيم الدولي قدراته الخيّرة إلاّ بعد أنْ توضعَ هذه المقترحات موضع التنفيذ، وتنمحي لعنة الحروب من عالم الوجود.

هيئة الأمم المتحدة

في كلماته السابقة حول المدنيّة الحقيقية يشير حضرة عبدالبهاء أيضاً إلى توقعاته في تأسيس هيئة عالمية يجري البحث فيها حول إشكالات العالم ومنازعاته، ويعمل أعضاؤها لخير البشرية. كان ذلك في عام ١٨٧٥م. ونتيجة لما ألمّ بالعالم من حروب إقليمية في أوروبا وما حولها انتهت إلى الحرب العالمية الأولى فقد تأسست عصبة الأمم هدفها الأسمى منع نشوب الحروب في العالم. فكانت الخطوة العالمية الأولى في الطريق الصحيح نحو ما دعا إليه حضرة بهاءالله. إنه أمر إلهي ووعد حق سوف يسخّر من أجل تحقيقه قوى الأرض دون إرادة واللهُ لن يخلف وعده. إلا أن عصبة الأمم فشلت في تحقيق أهدافها لتغلُّب المصالح القومية الضيقة على الصالح العام للبشرية، فنشبت الحروب الإقليمية أيضاً وانتهت بالحرب العالمية الثانية، وعلى أثرها تشكلت هيئة الأمم المتحدة للغرض نفسه وعدّلت من ميثاقها نحو الأفضل، وعملت طيلة السنوات الماضية على مجابهة التحديات بأنواعها. وفي بيان الجامعة البهائية العالمية الذي قدمته للأمم المتحدة في تشرين الأول من عام ١٩٩٥م بمناسبة الذكرى الخمسين لتأسيسها نقرأ ما يلي:
لقد أظهرت هيئة الأمم المتحدة –كمنظمة دولية– قدرة البشرية على العمل الموحد في ميادين: الصحة والزراعة والتعليم وحماية البيئة ورعاية الطفولة، وبتبنيها مواثيق دولية لحقوق الإنسان فقد أكدت على إرادتنا الأخلاقية الجماعية في بناء مستقبل أفضل لبني جنسنا… ومع ذلك فقد ثبت أن الأهداف العامة لا المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة لم تتحقق.
هناك الكثير من المشاكل الإجتماعية التي تنادي تضافر الجهود الدولية لحلّها، ذلك لأنها في معظمها أصبحت أكبر من طاقة أي دولة منفردة، وباتت تهدد سكان الأرض بأكملهم إذا لم تلقَ التكاتف والعمل الموحّد بكل إخلاص. فالأوبئة والكوارث الطبيعية والفقر والجوع وآثار الحروب المدمرة وتلوث البيئة وشحّ المياه وتلوثها والإنبعاث الحراري وتآكل طبقة الأوزون هي بعض من مشاكل إجتماعية حياتية تهدد الوجود الإنساني إذا لم تهبّ الهيئة الدولية مذعورة نحو حلّها بكل اهتمام. ورجوعاً إلى البيان الذي قدمته الجامعة البهائية العالمية فإننا نجده يقدّم لهيئة الأمم المتحدة أفكاراً بنّاءة ترتكز على مقترحات رئيسية ثلاثة يمكن لها أن تساهم في تبنّي قيم جديدة وإصلاحات هيكلية فيها نستخلص منها ما يلي:
- إن المشاورات حول مستقبل الأمم المتحدة يجب أن تدور ضمن السياق العام والشامل لعملية تأسيس النظام العالمي وتطوره واتجاهه.
حيث إن الجنس البشري كيان موحّد لا يتجزأ، فإن كل فرد يولد فيه يكون أمانة بيد الجميع. فهذه العلاقة بين الفرد والمجموعة تشكل القاعدة الأخلاقية لمعظم بنود حقوق الإنسان التي تسعى مؤسسات الأمم المتحدة إلى تعريفها وتحديدها.
إن المداولات حول مستقبل النظام العالمي يجب أن تطال عموم الجنس البشري، ولأهميتها البالغة يجب ألا تقتصر على القادة سواء في المراكز الحكومية أو الوسط التجاري أو الهيئات العلمية أو الدينية أو المنظمات المدنية الإجتماعية، بل على العكس من ذلك يجب أن تضم المداولات عنصر الرجال والنساء على مستوى القاعدة. فالمشاركة الواسعة تزيد العملية قوة ذاتية ببث الوعي بمفهوم المواطنة العالمية ودعم أكبر لنظام عالمي شامل واسع في مداه.
فإذا ما وضعنا هيئة الأمم المتحدة في الميزان في معزل عن واقع وسطها الذي تعمل فيه، فستبدو لنا في كل الأحوال غير كفؤة وغير فعالة. بينما لو نظرنا إليها من منظور أنها واحدة من عناصر تشكل عملية أكبر من التطور تشمل أجهزة النظام العالمي ومؤسساته، ستبرز أمامنا انتصاراتها وسنرى من حولنا أنوار إنجازاتها. فالتجربة التي عركت الأمم المتحدة في خطواتها الأولى لهي مصدر خصب من المعرفة لأصحاب الفكر التطوري يستلهمون منه دورها في المستقبل ضمن النظام العالمي.
فالفكر التطوري يكتنز القدرة على تخيل شكل مؤسسة تخدم على المدى البعيد وتعي إمكاناتها المتأصلة للتطور والنمو وتحديد المبادئ الأساسية التي تتحكم بنموها ووضع استراتيجية فعالة لتطبيقها في المدى القريب، وحتى توقع أحداث مفاجئة يمكن أن تعترض طريقها.
إن دراسة هيئة الأمم المتحدة من هذا المنظور تكشف أمامنا فرصاً مميزة فريدة لتقوية نظامها الحالي دون الحاجة إلى إعادة تشكيل مؤسساتها الرئيسة بكاملها، أو إعادة النظر جذرياً في جوهر عملياتها. وفي واقع الأمر، فإن علينا أن نسلّم بأن أي اقتراح في سبيل إصلاح الأمم المتحدة لا يمكنه التأثير بفاعلية عالية ما لم تكن توصياته في جميع بنودها منسجمة متوازنة، وتعمل على توجيه الأمم المتحدة نحو طريق التطور في دور مميز مناسب ضمن النظام العالمي المرتقب. ولكوننا نبحث في التحكيم الدولي سنترك ما يفيض به بيان الجامعة البهائية العالمية من أفكار تساهم في إصلاح الهيئة الدولية لنرجع إلى ما تطرقت إليه حول محكمة العدل الدولية حيث جاء فيه:

محكمة عدل دولية لها سلطتها

في أي نظام لإدارة شؤون العالم من الضروري وجود سلطة قضائية قوية تدعم باقي السلطات وتحافظ على التوازن فيما بينها وتحقق العدالة وتصونها. إن الدافع لخلق مجتمع تسوده العدالة كان من القوى الأساسية على مر التاريخ، ولا شك أن حضارة عالمية دائمة التطور لا يمكن تأسيسها إلاّ على قواعد متينة من العدل.
فالعدل هو القوة الأوحد التي باستطاعتها أن تترجم بزوغ وعي الإنسانية بوحدة الجنس البشري إلى إرادة جماعية يمكنها بكل ثقة من بناء حياة المجتمعات الإنسانية على هذا الكوكب. عهد يشهد شعوب العالم وهي تستزيد من حصولها على المعرفة بأنواعها وعلى الأفكار بأشكالها سيجد أن العدل سيفرض نفسه مبدأ حيوياً للنظام الإجتماعي الناجح.
والعدل عند الجماعة هو نبراسها في اتخاذ قراراتها، ذلك لأنه السبيل الوحيد نحو تحقيق وحدة الفكر والعمل. وبعيداً عن إثارة روح القصاص المتسربلة بالعدل كما كان في الماضي، فإن العدل هو التعبير العملي للحقيقة القائلة بأنه في سبيل تطور الجنس البشري فإن مصالح الفرد ترتبط ارتباطاً وثيقاً وحتمياً بمصالح المجتمع. وحتى يكون العدل هادي المجتمع الإنساني في تعاملاته، لا بد من توفر جو من المشورة يسنح بدراسة الخيارات وتفحصها بالحياد اللازم واتخاذ الإجراءات التنفيذية المناسبة. وفي جو كهذا تتنحى جانباً مؤثرات النزعات المتأصلة نحو التلاعب والإنحياز في عملية اتخاذ القرار.
إن مفهوماً للعدل كهذا يجب أن يتأصل في النفوس تدريجياً بإدراكنا حقيقة التداخل الحتمي لمصالح الفرد والمجتمعات في هذا العالم المترابط. وفي هذا السياق يكون العدل هو الخيط الذي يدخل في نسيج كل تعامل إنساني يطال الأسرة ومن حولها ليصل إلى العالم بأسره.
وفي النظام الذي تعمل بموجبه الأمم المتحدة حالياً نجد أساساً لمحكمة دولية أكبر قوة. فعندما تشكلت محكمة العدل العليا عام ۱٩٤٥م لتكون الأداة القضائية الرئيسة في الهيئة الدولية، تميزت بعدة جوانب إيجابية. منها على سبيل المثال أسلوب اختيار أعضائها بحيث يمثلون طبقات مختلفة من فئات الشعوب ومن مناطق متعددة وأنظمة قضائية متنوعة.
أما الخلل الأساسي الذي تعاني منه المحكمة الدولية فإنه افتقارها إلى سلطة تمنحها صلاحية اتخاذ القرار القانوني الملزم باستثناء الحالات التي اختارت فيها الدول مسبقاً الإلتزام بقرارات هذه المحكمة. فبدون هذه السلطة تقف عاجزة عن تحقيق العدالة ونشرها. ومع مرور الوقت يمكن لقرارات هذه المحكمة أن تكون ملزمة لكافة الدول. أما على المدى القريب فيمكن العمل على تقوية المحكمة الدولية بإجراءين آخرين:
- توسيع نطاق اختصاصها:
طبقاً لما هو معمول به حالياً فإن نطاق عمل المحكمة محصور بأنواع محددة من القضايا لا يحق إلا للدول الأعضاء رفعها دون غيرها. فنقترح منح منظمات أخرى منبثقة عن الأمم المتحدة مثل هذا الإمتياز لا حصره بالدول الأعضاء فقط.

- التنسيق بين المحاكم المختصة:
يجب أن تعمل محكمة العدل الدولية مظلة تضم المحاكم المختصة القائمة والتي ستشكل بحيث تعمل حَكَماً يفصل في القضايا الدولية ضمن مجالات متخصصة محددة. ويمكن إيجاد عناصر لنظام قضائي موحد في محاكم متخصصة للفصل في القضايا المتعلقة بالتجارة والنقل وفي التوصيات المقدمة لمحاكم مثل محكمة الجنايات الدولية، والمحكمة المختصة بشؤون البيئة، وقضايا أخرى قد تحتاج إلى محاكم تخصص لها تدخل تحت هذه المظلة مثل موضوع الإرهاب الدولي، والإتجار بالمخدرات.   - بيان الجامعة البهائية بخصوص محكمة العدل الدولية