وحدة الأديان والرسل

شَرَع لكم من الدين ما وصّى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصّينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه...   - القرآن الكريم، سورة الشورى، الآية ۱۳
قال لهم يسوع الحق الحق أقول لكم قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن.   - إنجيل يوحنا ٨ : ٥٨
فأجاب وقال مكتوب ليس بالخبز وحده يحيى الانسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله.   - إنجيل متى ٤ : ٤
لأنه كما أن الأرض تخرج نباتها وكما أن الجنة تنبت مزروعاتها هكذا السيد الرب ينبت بِرّاً وتسبيحاً أمام كل الأمم.   - أشعياء ٦۱ : ۱۱
فقال لهم الحق الحق أقول لكم ليس موسى أعطاكم الخبز من السماء بل أبي يعطيكم الخبز الحقيقي من السماء. لأن خبز الله هو النازل من السماء الواهب حياة للعالم.   - إنجيل يوحنا ٦ : ۳۲، ۳۳
سراج لرجلي كلامك ونور لسبيلي.   - مزامير ۱۱٩ : ۱٠٥
ناموس الرب كامل يردّ النفس. شهادات الرب صادقة تصيّر الجاهل حكيماً.   - مزامير ۱٩ : ٧
فالرسول مظهر الله على الأرض، وكل رسول إلهي كان طريقاً للحقيقة، وقناة الرحمة الإلهية لعموم البشر، فجاء بنهج للحياة ونَظْمٍ للمجتمع.
كل رسول كان رائداً في خطة إلهية عظمى مرسومة من أجل رفعة الإنسانية وسموها، وتأسيس حضارة إنسانية جديدة دائمة التطور. عكسوا جميعاً فضائل الحق لتنطبع في القلوب، فنقلوا البشرية إلى مراحل متقدمة، من التطور الفكري والروحي. هم متّحدون في الأصل والهدف ومتكاملون في الوظيفة والعمل، فلا انقطاع ولا توقّف لأن البشرية كائنة. هم معلمو البشرية ومربوهم، وهم القوة الدافعة لمسيرة الإنسانية في تقدمها وتطورها، كما هو دور المعلّم للطفل. فالدين السماوي هو المنبع الوحيد لتلك القوة الدافعة كما يوضحه لنا حضرة بهاءالله في كتابه "الإيقان".
بأن الله الخالق سبحانه وتعالى تدخّل ويستمر في التدخّل في تاريخ البشرية وذلك عن طريق إرسال الرسل أو المتحدثين باسمه. هؤلاء المرسلون الذين سماهم حضرة بهاء لله "مظاهر أمر الله" هم المؤسسون الرئيسون للأديان الكبرى في العالم مثل سيدنا إبراهيم وموسى وبوذا والمسيح والرسول محمد (ص) وغيرهم. إنَّ الروح التي أطلقها هؤلاء الأنبياء والمرسلون وأيضاً نفوذ كلمتهم وتعاليمهم والنظام الاجتماعي الذي تأسس بواسطة أحكامهم وقوانينهم ونصائحهم هي التي أدت بالجنس البشري إلى الرقي والتقدم في مسيرة تطوره الجماعي. وبكل بساطة فإنَّ مظاهر أمر الله هم المعلّمون الكبار للبشرية.
وبالنسبة للأنظمة الدينية المختلفة التي ظهرت في تاريخ الإنسانية يقول حضرة بهاءالله:
هذه الأصول والقوانين وتلك الأنظمة المحكمة المتينة قد ظهرت من مطلع واحد وأشرقت عن مشرق واحد، أمّا اختلافها فراجع إلى اقتضاء الوقت والزمان والقرون والأعصار.   - منتخبات من آثار حضرة بهاءالله، ص ١٨٤
إذاً دين الله واحد من الأول الذي لا أول له إلى الآخر الذي لا آخر له بالرغم من اختلاف الشرائع والأحكام التي نزلت على البشرية بواسطة رسله العظام ضمن خطة سماوية تديرها في العالم يد القدرة الإلهية.
ودين الله ينمو ويتطور تبعاً لتطور الإنسان في مدى قدراته واستعداده وحاجاته، والدين البهائي يمثل المرحلة المعاصرة من مراحل تطور دين الله.

دور الرسل

يخبرنا حضرة عبدالبهاء عن الدور الرئيس للرسل والأنبياء بقوله:
جميع الأنبياء سَعَوا لوحدة الجنس البشري وخدمته، لأن أساس التعاليم الإلهية هو وحدة الجنس البشري. عمل سيدنا موسى عليه السلام على وحدة العالم الإنساني وأسّس السيد المسيح وحدة الجنس البشري، أما سيدنا محمد عليه السلام فقد أعلن عن الوحدة الإنسانية وأشار الإنجيل والتوراة والقرآن الكريم إلى تأسيس العالم الإنساني. شريعة الله واحدة ودين الله واحد ألا وهي الألفة والمحبة.   - مجموعة خطابات حضرة عبدالبهاء، ص ٢٤
إن هذه النجوم الساطعة من أفق الحقيقة ائتلفت واتّحدت واتفقت وبشّر كل سَلف عن كل خَلَف وصدَّق كل خَلَف نبوة كل سَلَف، فما بالكم أنتم يا قوم تختلفون وتتجادلون وتتنازعون ولكم أسوة حسنة في هذه المظاهر النورانية والمطالع الرحمانية ومهابط الوحي العصبة الربانية.   - مجموعة خطابات حضرة عبدالبهاء، ص ٢٠-٢١
وفي حقيقة الأمر فإن:
كل دين سماويّ ظهر حتى الآن قسّم تعاليمه إلى نوعين، النوع الأول هي التعاليم الروحانية مثل معرفة الله وموهبة الله وفضائل العالم الإنساني والكمالات الإنسانية، وهي لها علاقة بعالم الأخلاق، هذه هي الحقيقة وهذا هو الأصل، ودعا جميع الأنبياء والرسل إلى هذه الحقيقة... أما النوع الثاني فهي التعاليم التي لها علاقة بالأمور الجسمية وهي من الفروع حيث إنها تتغيّر وتتبدّل حسب مقتضى الزمان.   - مجموعة خطابات حضرة عبدالبهاء، ص ٢٤٣

الحقيقة الدينية نسبية وليست مطلقة

إنه مفهوم يستحق منا التوقف والتأمل، وقد شرحه لنا حضرة شوقي أفندي بقوله:
إنّ المبدأ الهام والأساسي الذي شرحه لنا حضرة بهاءالله ويؤمن به أتباعه بشكل جازم هو أنّ الحقيقة الدينية ليست مطلقة وإنمّا نسبية وأنّ الرسالة السماوية هي عملية مستمرة وفي تقدم وأنّ جميع الأديان العظيمة في العالم سماوية في الأصل وأنّ مبادئها الأساسية متماثلة ومتطابقة تماماً وأنّ أهدافها ومقاصدها متشابهة كما أنّ تعاليمها تعكس لنا حقيقة واحدة وأنّ وظائف هذه الأديان مكملة لبعضها البعض وأنّ اختلافها الوحيد يكمن في الأحكام والحدود الفرعيِّة وأنّ مهامّها هي التكامل الروحي للمجتمع الإنساني خلال مراحل متعاقبة ومستمرة.
وعليه، تكون الأديان السماوية شمس الحقيقة،يعلمنا حضرة عبدالبهاء في إحدى خطبه بأن:
المقصود الأصلي للمظاهر الإلهية هو تربية الجنس البشري، والأديان السماوية لم تكن سبباً للخلاف أو العداء، لأن أساس جميع الأديان هو الحقيقة، والحقيقة واحدة لا تعددّ فيها، أما الخلاف الموجود فهو من التقاليد، ووجود التقاليد المختلفة، أدى إلى النزاع والخلاف.   - مجموعة خطابات حضرة عبدالبهاء، ص ٣٥١
وفي مقام آخر يقول:
هناك العديد من الأديان، لكن حقيقة الدين واحدة. هناك أيام عديدة ولكن الشمس واحدة، وهناك مصادر مياه متعددة ولكن الينبوع واحد، وهناك أغصان شجر كثيرة ولكن الشجرة واحدة. إن أساس الأديان السماوية هو الحقيقة، ولا وجود للأديان في غياب الحقيقة. سيدنا إبراهيم بشّر بالحقيقة وسيدنا موسى روّجها، أما المسيح عليه السلام فقد أسسّها والرسول المصطفى عليه السلام كان رسولاً للحقيقة. حضرة الباب كان باباً للحقيقة، أما حضرة بهاءالله فقد كان إشراقاً للحقيقة. الحقيقة واحدة لا تسمح بالتعدد أو الانقسام، إن الحقيقة مثل الشمس التي تسطع بنورها من جهات مختلفة، ومثل النور الذي يضيء المصباح.   - من كتاب Promulgation Of Universal Peace ،ص ۱۲٦
وقد أعلن حضرة بهاءالله وحدة العالم الإنساني وكذلك وحدة الأديان لأن جميع الأديان الإلهية أساسها الحقيقة، والحقيقة لاتقبل التعدّد، والحقيقة واحدة وأساس جميع أنبياء الله واحد وهو الحقيقة، ولو لم يكن الحقيقة لكان باطلاً. وحيث أن الأساس هو الحقيقة، لهذا فإن بناء الأديان الإلهية واحد، وغاية ما في الأمر أن التقاليد حلّت في وسطها وظهرت آداب وتقاليد زائدة، وهذه التقاليد ليست من الأنبياء إنما هي حادثة وبدعة.... أما إذا نبذنا هذه التقاليد وتحرّينا حقيقة أساس الأديان الإلهية فلا شك أننا نتحد.   - خطب عبدالبهاء في أوروبا وأمريكا، ص ۳۱٥
مما تقدم هل من شك في أن جميع الرسل هم واحد في جوهرهم ووظيفتهم ومختلفون في شرائعهم وأحكامهم وأسمائهم؟

وحدة الرسل

فلنتمعن بالأقوال التالية لحضرة بهاءالله حول وحدة الرسل:
وإنك لو تكون من أهل هذه المدينة في هذه اللجّة الأحدية لتَرى كل النبيين والمرسلين كهيكلٍ واحد ونفسٍ واحدةٍ ونورٍ واحد وروحٍ واحدة، بحيث يكون أوّلهم آخرهم وآخرهم أولهم وكلهم قاموا على أمر الله وشرعوا شرايع حكمة الله وكانوا مظاهر نفس الله ومعادن قدرة الله ومخازن وحي الله ومشارق شمس الله ومطالع نور الله.   - لوح جواهر الأسرار
وكل الشرائع فصّلت من نقطة واحدة وشرعت من لدى الله وترجع إليه، لا فرق بينها إن أنتم من الموقنين... يا ملأ التوحيد لا تفرقوا في مظاهر أمر الله ولا في ما نزّل عليهم من الآيات وهذا حق التوحيد إن أنتم من الموقنين، وكذلك في أفعالهم وأعمالهم وكلما ظهر من عندهم ويظهر من لدنهم كل من عند الله وكلٌ بأمره عاملين، ومن فرّق بينهم وبين كلماتهم وما نزل عليهم أو في أحوالهم وأفعالهم في أقل ما يُحصى، لقد أشرك بالله وآياته وبرُسله وكان من المشركين.   - لوح مدينة التوحيد
وينقلنا إلى نقطة أخرى يشرق فيها الاتحاد بأجلى معانيه بقوله:
يا قوم إني لجمال عَلِيّ بينكم، ونفس محمدٍ فيكم، وكينونة الروح بين السموات والأرض إن أنتم من العارفين.   - الكتاب البديع
تالله هذا لهو الذي قد ظهر مرة باسم الروح ثم باسم الحبيب ثم باسم عليّ ثم بهذا الاسم المبارك المتعالي المهيمن العلي المحبوب.   - لوح نصير
وأما سؤالك عن الاتحاد، فإن الاتحاد في المرتبة الأولى اتحادٌ في الدين وهذا الاتحاد كان ولا زال سبباً لنصرة أمر الله في القرون و العصور السالفة.   - أدعية حضرت محبوب، ص ۳٨٨
يجب على جميع الشعوب أن تستظل في ظل أمر وشريعة واحدة ويكون جميع البشر مثل الأخوة المتحابين وتستحكم روابط المحبة والاتحاد بين أبناء الجنس البشري وتنتهي وتزول كل الخلافات والمنازعات العرقية والمذهبية.   - ظهور العدل الإلهي، ص ٧٧
ويخاطب بيت العدل الأعظم شعوب العالم في رسالة "السلام العالمي وعد حق" بقوله:
إن المبدأ الذي يفرض علينا أن نعامل الآخرين كما نحب أن يعاملنا الآخرون، مبدأٌ خلقي تكرر بمختلف الصور في الأديان العظيمة جميعاً، وهو يؤكد لنا صحة الملاحظة السابقة في ناحيتين معينتين: الأولى، أنه يلخّص اتجاهاً خلقياً يختص بالناحية التي تؤدي إلى إحلال السلام، ويمتد بأصوله عبر هذه الأديان بغضّ النظر عن أماكن قيامها أو أوقات ظهورها، والثانية: أنه يشير إلى ناحية أخرى هي ناحية الوحدة والإتحاد التي تمثل الخاصية الجوهرية للأديان، هذه الخاصية التي أخفق البشر في إدراك حقيقتها نتيجة نظرتهم المشوهة إلى التاريخ. فلو كانت الإنسانية قد أدركت حقيقة أولئك الذين توَلوا تربيتها في عهود طفولتها الجماعية كمنفّذين لمسير حضارةٍ واحدة، لَجَنتْ دون شك من الآثار الخيّرة، التي اجتمعت نتيجة تعاقب تلك الرسالات محصولاً أكبر من المنافع التي لا تُحصى ولا تُعد، ولكن الإنسانية فشلت، ويا للأسف، في أن تفعل ذلك.   - من "رسالة السلام العالمي وعد حق" - أكتوبر/تشرين الأول ۱٩٨٥م
وهنا يبرز أمامنا دور هام وحيوي لقادة الأديان جميعاً في العالم الذين هم النجوم الساطعة التي يُهتَدى بهم في غياب شمس الحقيقة لأنهم يستضيئون من نورها. إنها أمانة وضعها الله في أعناقهم من محض فضله وعنايته لهم، وهي مسؤولية جسيمة مرعِبة.

دور قادة الأديان

يسود لدينا الاعتقاد بأن قادة الأديان ينبغي عليهم مجابهة هذا التحدي التاريخي إذا أرادوا للقيادة الدينية هذه أن يكون لها أي معنى في المجتمع العالمي الذي بدأ يبرز إلى الوجود نتيجة ما مرّ به من تجارب التحوَُّل والتغيير التي أحدثها القرن العشرون. فقد بات من الجليّ أن أعداداً متزايدة من الناس قد وصلت إلى قناعة بأن الحقيقة الكامنة في الأديان السماوية كلها حقيقة واحدة في جوهرها، وما كان لمثل هذه القناعة أن تصدر نتيجة أي حلّ لمجادلات فقهية، ولكنها صادرة عن وعي وجداني أغناه ما توفر للآخرين من خبرات واسعة ونتيجة تولّد الإعتقاد بوحدة العائلة الإنسانية ذاتها. فمن مزيج معتقدات وطقوس دينية وأحكام شرعية تمّ توارثها من عوالم عفا عليها الزمان، بدأ يبرز هناك شعور بأن الحياة الروحية، مثلها مثل الوحدة التي تجمع مختلف القوميات والأعراق والثقافات، تشكل في حدِّ ذاتها حقيقة واحدة مطلقة ميسور لكل إنسان سبيل الوصول إليها. ولكي يتأصل هذا الشعور الذي بدأ يعمّ الناس ولكنه لا يزال في بداية أمره وليتمكن من الإسهام إسهاماً فاعلاً في بناء عالم يسوده السلام، ينبغي عليه أن يحظى بالتأييد القلبي الكامل من قبل أولئك الذين تتوجّه إليهم جماهير الناس في كل أنحاء العالم طلباً للهداية والرشاد حتى في هذه اللحظة المتأخرة.   - من "رسالة بيت العدل الأعظم إلى قادة الأديان في العالم" – نيسان/أبريل ۲٠٠۲م
ففي كل يوم يمر بنا يتفاقم الخطر من أن النيران المتصاعدة للتعصبات الدينية سوف يستعر لهيبها ليحرق العالم كله مخلّفاً من الآثار المدمرة مالا يمكن أن يخطر على بال. ولا سبيل لدرء هذه المخاطر من قبل الحكومات المدنية بمفردها دون أي معونة. ولا ينبغي أن نخادع النفس فنعتقد بأن مجرد المناشدة لقيام التسامح المتبادل باستطاعتها وحدها إطفاء نيران العداوة والبغضاء والقضاء على التعصبات التي تدّعي أنها مشمولة بتأييد إلهي. وتهيب الأزمة الراهنة بالقيادات الدينية لقطع الصلة بالماضي بالحزم والصرامة ذاتها التي انتهجها أولئك الذين مهدوا السبيل للمجتمع الإنساني لمجابهة تعصبات ماضية بالنسبة للعرق والجنس والوطن تتساوى في شراستها المدمرة مع التعصبات القائمة في عالم اليوم. ومهما كان المبرر لمحاولة التأثير في قضايا تتعلق بحرية الضمير فليس هناك سوى مبرر واحد هو حث الفرد على السعي في سبيل خير الإنسانية وصلاح أمرها. فعلى هذا المفترق الذي يعدّ أعظم نقطة تحوّل في تاريخ الحضارة الإنسانية ليس هناك من حاجة أوضح وأمسّ من حاجة العالم إلى مثل هذه الخدمات. لذلك يحثنا بهاءالله أن ندرك جيداً بأنه ’لا يمكن تحقيق إصلاح العالم واستتباب أمنه واطمئنانه إلا بعد ترسيخ دعائم الاتحاد والاتفاق.‘   - من "رسالة بيت العدل الأعظم الموجهة إلى قادة الأديان في العالم" - عام ۲٠٠۲م
فلنتمعّنْ بكلمات حضرة شوقي أفندي التي تبشرنا ببدء دخول البشرية عهد النضوج والبلوغ بقوله:
لم تكن غاية رسالة بهاءالله سوى الوصول إلى كعبة هذا الاتحاد العقلي والروحي لكافة أهل العالم، ويجب علينا إذا كنا لتعاليمه مخلصين أن نعتبر ظهورها وسيرها رمزاً على بلوغ الجنس البشري قاطبة ولا يجوز أن ننظر إليها بأنها مجرد مظهر من مظاهر الانتعاش الروحي الذي يصيب بني الإنسان في حظه المتغير، أو بكونها مرحلة أخرى في سفر الوحي المضطرد أو باعتبارها بمثابة ختم لدورات النبوة، بل يجب أن ننظر إليها بأنها رمز المرحلة الأخيرة والعليا لسفر التطور الهائل للحياة الإنسانية الجامعية على هذه الأرض. فالشعور الفجائي بالجامعة العالمية، والإحساس العام بالحقوق العامة لأهل العالم، والاتجاه العام نحو تأسيس مدنية وثقافة عالمية. هذه العوامل التي تتصل وتعمل في مجموعها مع المرحلة الأولى في التمهيد لظهور العصر الذهبي للدور البهائي تُعتبر في طواياها وخصائصها أبعد مدى وأعمق أثراً مما قد يتراءى لأول وهلة في تنظيم الهيئة الإنسانية على هذه الأرض، ولو أن الإنسان من الناحية الفردية سوف يستمر في التقدم والترقي نتيجة لهذا التنظيم، وهو ما يجب أن يسير فيه قُدُماً بلا نهاية. ونحن إذا أدركنا حقيقة بيانات بهاءالله نرى أن هذا التغيير الكلي المُعجِز غير المحدود المقترن بمرحلة البلوغ في حياة الفرد ونضوجه -وهو ما لا بد منه– يجب أن يأخذ طريقه جنباً إلى جنب في الاتجاه المحاذي لسير التطور الحادث في تنظيم الجامعة البشرية، ونرى أيضاً أن هناك مرحلة مماثلة أخرى من وجهة حياة العالم الجامعية يجب الوصول إليها إن عاجلاً أو آجلاً، يكون من شأنها إحداث ظاهرة أشد بروزاً في العلاقات العالمية، والإغداق على عموم البشر من أوجه النِّعَم والخيرات ما سوف يظل على تعاقب الأجيال المشوّق الأعظم والباعث الأكبر لهم فيما يحتاجون إليه لاستكمال مصيرهم الرفيع...   - الكشف عن المدنية الإلهية ، ص ٦–٨