ماذا يقولون؟

عندما طلع الجمال المحمدي من أفق الجزيرة العربية، دعا أمّته إلى ظهور جديد وبشّرهم بنزول شريعة بديعة، وأخبر الجميع بظهور النقطة الأولى والجمال الأقدس الأبهى.
إنّ ثلث القرآن الكريم والأحاديث النبويّة بيّنت أهمية هذين الظهورين الأفخمين. لقد بقيت الأمّة الإسلاميّة مدة ١٢٦٠ سنة تنتظر هذين الظهورين حتى طلع نور حضرة الأعلى من أفق إيران ودعا الكلّ إلى الصراط المستقيم والمنهج القويم. ولكنّ أتباع الإسلام الذين مكثوا هذه المدّة ينتظرون مثل هذا اليوم العظيم تمسّكوا بعدّة آيات وقاموا على العناد ومخالفة الموعود إلى أن أصبح هدفاً لرصاصهم. كانوا ينادون ويبتهلون "عجّل الله فرجه" وعندما كشف النقاب عن وجهه احتجبوا عنه وحاربوه وصاحوا واويلاه وواشريعتاه ومنعوا بذلك عن لقاء محبوبهم. وخلاصة الأمر أنّهم اعتبروا الرّسول خاتماً للرّسل، والدّين الإسلامي هو خاتم الأديان، واعتبروا أنّ ظهور دين جديد أو رسول جديد وشريعة جديدة أمر ممتنع محال. ولإثبات ذلك قدّموا الآيات القرآنيّة والأحاديث النبويّة التي سنقدّمها في معرض بحثنا هذا.

وماذا نقول؟

إن البهائية تؤمن بكل ما جاء في الذّكر الحكيم، سواء ما نصّ من آياته على ختم النبّوة أو ما ذكر منها القيامة والبعث والنشور أو الجنّة والنّار. ولكن لا يرى البهائيون ضرورة التقيّد، وعلى الأخص فيما كان غير واضح الدّلالة من آياته، بما ذهب إليه السابقون في تفاسيرهم. ووجه التفرقة بين الالتزام بالنصّ والحريّة في الفهم غنيّ عن البيان، فالنص قد صدر عن الحق أما تأويله فقد جاء من الخلق. وعلّة رفض البهائيين لما ذهب إليه أكثر السلف من المفسرين هو نقصه. فقد انقسم هؤلاء المفسرون بصفة عامّة إلى فريقين: ظاهري وباطني. فاعتمد الفريق الأول في تفسير الكتاب على المفهوم اللغوي والمعنى الظاهر لعبارة ما تصدّوا لتأويله رغم ما قد يكون في ذلك من تضييق لمعاني آياته. وفي ذلك نقص. فلو اقتصر المقصود من كتاب الله على تلك المعاني الظاهرة لما كاد أن يكون بين آياته مُتشابهة وهو ما يخالف صريح نص الكتاب. وانصرف الفريق الآخر من المفسرين إلى التأويل الباطني وغالى في ذلك حتى جاء تأويله في كثير من الأحيان غير مستقيم مع ظاهر عبارة الآيات التي يفسرها.
ونقص المذهبين واضح لدى البهائيين الذين يعتمدون في فهم آيات كتاب الله على الاعتدال، والتوفيق بين الاتجاهين دون إسراف في أي منهما ممّا يُتيح، في رأيهم، استخراج مفاهيم تمتاز بالتوازن والعمق ومسايرة المنطق السليم والعلم المعاصر ولا يهمل شيئاً من كنوز المعاني الكامنة في الأمثال والتشبيهات والكنايات التي زخرت بها الكتب المقدسة. فحقيقة الأمر أن البهائيين ليسوا كما قيل باطنيين ولا ظاهريين أو إن شئت هم كلاهما معاً، اتّباعاً لقول حضرة بهاءالله: "من أخذ الباطن بإيقاع الظاهر عليه فهو عالم كامل."