ما معنى الإسلام؟


أجمع الأنبياء والمرسلون أن الإسلام هو الاستسلام لله وحده والانقياد إليه والإخلاص له. فالآيات القرآنيّة تدلّ بوضوح على أن نوح وإبراهيم ويعقوب ويوسف وموسى وعيسى عليهم السلام والحواريين كلّهم كانوا مسلمين، ودينهم الإسلام وإن تنوّعت شرائعهم بدليل الآيات التالية:
في قوله عن إبراهيم:
وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ. إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ. وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ.   - المائدة ١١١
وفي قوله عن موسى:
وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِين.   - يونس ٨٤
وقوله عن بلقيس:
قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.   - النمل ٤٤
وقوله عن الحواريين:
وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوَاْ آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ.   - المائدة ١١٤
فإذا كان دين الإسلام هو الدين المحمّدي، فكيف كان إبراهيم وبنوه والحواريون وغيرهم مسلمين، وقد ظهر جميعهم قبل حضرة الرسول محمد وشعائرهم تختلف عن الشريعة المحمدية؟
إن دين الإسلام مبني على أصلين، أن نعبد الله وحده لا شريك له وأن نعبده بما شرّع من دين جاء به آخر رسول أرسل لذلك الوقت. فلذا كان أتباع موسى عليه السلام في دورته العاملون بشريعته هم المسلمون. فلمّا جاء عيسى كان التابعون لشريعته هم المسلمون. وأمّا من بقي من أتباع موسى متمسّكين بشريعته ولم يتبعوا عيسى انسلخ منهم هذا الوصف لعدم اتباعهم عيسى عليه السلام.
الأمة المحمّدية مسلمون بالفعل والاسم معاً:
الأمّة المحمّدية مسلمون بالفعل لأنّهم أتباع آخر رسول أُرسل لذلك الوقت وعاملون بشريعته. وهم أيضاً مسلمون بالاسم لقوله تعالى:
مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ.   - الحج ٧٨
فهم مسلمون بالفعل والاسم معاً، فلمّا جاء حضرة الباب لم يبق إلاّ الإسلام الاسمي، بدليل الحديث
سيأتي زمان على أمّتي لا يبقى من القرآن إلاّ رسمه ولا من الإسلام إلاّ اسمه، يسمّون به وهم أبعد النّاس منه. مساجدهم عامرة وهي خراب من الهدى فقهاء ذلك الزمان أشر الفقهاء تحت ظلّ السماء منهم خرجت الفتنة وإليهم تعود.   - البحار للمجلسي ج ١٣ ص ١٥٥
فمن آمن بحضرة بهاءالله واتّبع ما جاء به كان مخلصاً لله ومسلماً وجهه له. هذا من حيث وجوب الإيمان بآخر مظهر عظيم ورسول كريم جاء إلى ذلك الوقت. ومن أنكر رسول زمانه فقد أنكر الله سبحانه وتعالى الذي أرسله لقوله تعالى:
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً. أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا.   - النساء ١٥٠-١٥١
إذن على المؤمن كي يكون مؤمناً بالله حقاً أن يؤمن بالرّسل كافّة، بمن فيهم آخر رسول أرسله الله وهو في هذا الدور حضرة بهاء الله ومبشّره حضرة الباب. والإيمان بآخر رسول أُرسل هو الإيمان باليوم الآخر.
وهناك آيات قرآنيّة عديدة تدلّ على استمراريّة الرّسالة نورد منها ما يلي:
يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ.   - الأعراف ٣٥
هذه الآية تدلّ صراحة على تتابع الرسل واستمرار الرسالة فيما بعد رسالة محمد. لقد جاء هذا الخطاب عامّاً لبني آدم وجاء الفعل يأتين مضارعاً، وهو يدلّ على المجيء في الحال والمجيء في الاستقبال. ولمّا كان الله يكلّم النّاس بنفس هذه الآية على لسان رسول ذلك الوقت الذي هو موجود بين ظهراني الناس كان لا محالة المراد منها الرسل الآتون في المستقبل بعد محمد. والفعل المضارع ههنا يدلّ على الدوام والاستمرار بدلالة إتيان الفاعل بلفظ الجمع.
وجواباً على الذين يذكرون أن بني آدم كانوا حضرة آدم وأولاده والأنبياء الذي جاءوا بعده ولا دخل للمسلمين والعالم الإسلامي بهم نقول:
تخاطب هذه الآية الأمة الإسلاميّة بدليل الآية
يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ.  - الأعراف ٣١
فالمسجد مختصّ بالإسلام لأن هذا اللفظ لا يطلق على معابد اليهود والنصارى وغيرها حيث يتفضل
إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ.   - التوبة ١٧
وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ.   - الحج ٤٠
حيث جاء فيها اسم معبد كل أمّة من الأمم والمسجد اختصّه بالإسلام. لقد جاءت هذه الآية مباشرة بعد قوله
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ.   - الأعراف ٣٤
أولا- وحتى لا تعطى عبارة (بني آدم) صفة عامّة فإنّها اختصّت بالإسلام بدليل ذكرها خطابًا للمسجد المختصّ بالإسلام.
ثانيًا- أخبرت هذه الآية بأنّ لكلّ أمّة أجل، ولأنّ الإسلام أمّة لذا فله دورة وأجل معيّن. وتأكيدًا لهذا جاء فعل (يأتينّكم) بالمضارع ليفيد الاستقبال.
ممّا تقدّم يظهر أن للإسلام عمراً معيّناً وعند انقضائه يظهر رسول جديد بكتاب جديد ليؤسّس أمة جديدة.
وقد فسّر العلامّة الرازي الآية السابقة في كتابه سفينة الرّاغب قال: "إنّما قال رسل وإن كان خطابًا للرسول وهو خاتم الأنبياء عليه وعليهم السلام لأنّه تعالى أجرى الكلام على ما تقتضيه سنّته في الأمم." وأشار الرّازي بقوله "على ما تقتضيه سنّته في الأمم وهو استمرار الرّسالة دون انقطاع لقوله تعالى:
فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا.   - فاطر ٤٣
فلمّا كان استمرار إرسال الرّسل هو من سنّته تعالى في الأولين وإنّ سنّته لا تتغير ولا تتبدّل كان إرسال الرّسل في الآخرين كذلك هو مستمر كما في الأولين دون تبديل أو تحويل.
وخلافًا لأوهام الأمّة الإسلاميّة نرى حضرة الرّسول (ص) قد أشار إلى مدّة وعمر الإسلام وعيّنهما بحساب دقيق. تأمّل الآيات التالية:

١. "وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ" (الأعراف ٣٤) التي ذكرت سابقًا تبيّن بأن لكلّ أمّة أجل.
"وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ. قُل لَّكُم مِّيعَادُ يَوْمٍ لَّا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ" (سبأ ٢٩-٣٠) واليوم يعدّ بألف سنة في الحساب الإسلامي ويبدأ عدّها من وفاة الإمام الثاني عشر حسن العسكري عام ٢٦٠ﻫ.

٢. وجوابًا على سؤال (يقولون متى هذا الوعد...) هناك حديث معتبر ورد في بحار الأنوار عن رسول الله: "إن صَلُحَتْ أمّتي فلها يوم وإن فسدت فلها نصف يوم." ويظهر معنى (اليوم) في سورة الحج ٤٤: "وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّون" وفي سورة السجدة آية ٥: "فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ."

٣. "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا" (البقرة ١٤٣) تدلّ هذه الآية صراحة على أن الأمة الإسلاميّة هي أمّة وسط إذن يوجد هناك أمم أخرى قبلها وبعدها. وهناك خطبة شهيرة لأمير المؤمنين في باب (تحيّة حضرة الرسول) حيث يتفضّل: "الخاتم لما سبق والفاتح لما استقبل." وهذا دليل مبرم بأنه سيظهر رسل آخرون بعد سيدنا محمد (ص).