ختم النبّوة



﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا.﴾   - الأحزاب ٤٠
﴿يا علي أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبيّ بعدي.﴾   - حديث شريف
﴿حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة.﴾   - حديث شريف
﴿لا كتاب بعد كتابي ولا شريعة بعد شريعتي إلى يوم القيامة.﴾   - حديث شريف
﴿السَّماءُ والأرضُ تَزولانِ وكلامي لنْ يَزولَ.﴾   - متّى ٣٥/٢٤
﴿حينئذ إن قال لكم أحد هوذا المسيح هنا او هناك فلا تصدقوا. لانه سيقوم مسحاء كذبة وأنبياء كذبة ويعطون آيات عظيمة وعجائب حتى يضلّوا لو أمكن المختارين ايضا.﴾   - متّى  ٢٤/٢٤-٢٥

﴿أنا هو الألف والياء، الأول والآخر.﴾  - رؤيا يوحنا  ١١/١
﴿فيحفظ بنو إسرائيل السبت ليصنعوا السبت في أجيالهم عهداً أبديّاً وهو بيني وبين بني إسرائيل علامة إلأى الأبد.﴾   - سفر الخروج  ١٦/٣١
﴿إنّي أرفَعُ إلى السّماء يَداي وأقولُ حَيًّ أنا إلى الأبد.﴾   - التثنية  ٤٠/٣٢
الآيات والأحاديث السابقة تمثّل نموذجاً لما يتمسّك به المسلمون والمسيحيّون واليهود في ادّعائهم بأن رسولهم هو خاتم الرسل ودينهم هو خاتم الأديان، لهذا فقد حرم اليهود من نعمة الإيمان بالسيد المسيح وبسيدنا محمد، وفسّروا أبدية حفظ السبت بأبدية شريعة موسى والحال أنهم أخطأوا في فهم الآية أو تفسيرها. وكذلك المسيحيّون أيضاً وبنص الإنجيل الصريح يعترفون بأن المسيح هو خاتم المظاهر والإنجيل هو آخر الكتب السماويّة، لهذا لم يؤمنوا بسيدنا محمد. فالآية "السماء والأرض تزولان..." تدلّ على استمرار إرسال الله رسله بعكس ما يدّعون لأن كلام الله إنّما يبلّغه للناس رسله وتنزل عليهم كتبه فإذا كان كلام الله لا يزول كما هو الحق والواقع فالرسل مستمرّة بلا انقطاع والشرائع متتابعة وليس في الآية ما يدلّ على انقطاع الإرسال.
إن عقيدة المسلمين في مجال تحريف الكتب المقدسة لا تحلّ المشاكل، لأنّ المسلمين يعجزون عن إجابة الانتقاد المذكور لهذا يدّعون أن التوراة والإنجيل محرّفان. ونحن كبهائيين نعرف ما معنى التحريف المذكور فلا مجال للخوض في هذه المسألة في بحثنا هذا.
إن الأمّة الإسلاميّة حسب الحديث النبوي "لتسلكنّ سنن من كان قبلكم شبرًا فشبرًا وذراعًا بذراع" لحقوا باليهود والنصارى في تكرار هذه الأقوال وبأنّ شريعة الإسلام أبديّة ورسول الله خاتم النبيين. مع أنّهم في هذا ساروا في الطريق الخطأ وتمسّكوا بأوهامهم لتفسير المعنى وصار أكبر حجاب يمنع عرفان وإيقان المسلمين وحرمهم من شاطئ بحر العرفان وعن معرفة حضرة الرحمن هو عبارة (خاتم النبيين) والحديث النبوي (لا نبيّ بعدي) مع أن المعنى الوارد فيهما لا يدلّ أبداً على عدم تجديد الشريعة. إن علماء المسلمين ومحقّقي الشيعة والسنّة فسّروا كلمة خاتم النبيين النازلة في سورة الأحزاب تفسيرًا آخر يختلف عمّا فسّره أهل الظاهر. لقد كانوا أهل التحقيق وكان غيرهم أهل التقليد وطبعًا فإن كلام المحققين هو المقبول وليس أوهام المقلّدين.
وفي هذا السياق ننقل ما أورده أحد محققي الشيعة الشيخ ابن بابويه وهو من العلماء الذين يجلّهم جميع علماء الشيعة وحتى علماء السنّة يكنّون له الاحترام، وكلامه يعتبر فصل الخطاب. يقول في معنى ختم النبيين في كتابه (كمال الدين وتمام النّعمة):
إن الرّسل الذين تقدّموا قبل عصر نبيّنا (ص) كان أوصياؤهم أنبياء فكل وصيّ قام بوصيّة حجّة تقدّمة من وفاة آدم (ع) إلى عصر نبيّنا (ص) كان نبيًّا وذلك مثل وصيّ آدم وكان شييث ابنه وهو هبة الله في علم آل محمّد (ص) ومثل وصي نوح كان سام ابنه وكان نبيّاً ومثل موسى كان وصيّه يوشع بن نون وكان نبيّاً ومثل عيسى كان وصيّه شمعون الصفا وكان نبيّاً ومثل داود كان وصيّه سليمان ابنه وكان نبيّاً وأوصياء نبينا لم يكونوا أنبياء لأن الله جعل محمدًا (ص) خاتماً لهذه الأمم كرامة له وتفصيلاً فقد تشاكلت الأئمة والأنبياء بالوصيّة كما تشاكلوا فيما قدّمنا ذكره من تشاكلهم فالنبيّ وصي والإمام وصيّ والوصي إمام والنبي حجّة فليس في الأشكال أشبه من تشاكل الأئمة والأنبياء.
وحتّى نبحث أكثر في هذا الأمر نرجع إلى بعض الكتب الاستدلاليّة لنرى ماذا ورد فيها:
لا عجب أن فقهاء الأمّة الإسلاميّة امتحنوا بالكلمة المباركة (خاتم النبيين) وحديث (لا نبيّ بعدي) اللذين لم يكونا أبداً يدلان على عدم تجديد الديانة فامتحنوا بهما وألحقوا بالأمم السابقة. مع أن مقصود حضرته من هذه الكلمة هو أن يكشف ويوضّح ترقّي الأمّة الإسلاميّة وأفضليّة الأئمة على أنبياء بني إسرائيل، لأن المطّلع على الكتب المقدسة وعلى وضع الأمم السابقة يتّضح له أن أنبياء بني إسرائيل مثل إشعيا وإرميا ودانيال وحزقيال وزكريا وأمثالهم كان يخبرون عن أمور المستقبل وتنكشف لهم عن طريق الرؤيا وكان يعتبرون (الرؤيا الصادقة) هي إلهام إلهي ولهذا نرى أن كتب هؤلاء الأنبياء معروفة برؤيا إشعيا، رؤيا دانيال، رؤيا إرميا، رؤيا حزقيال. وكذلك في المسيحيّة فإن إلهامات يوحنّا معروفة برؤيا يوحنّا، وكان يطلق على مشاهد الرؤيا لفظ نبي واصطلح على هذا بين القوم وشاع هذا الاستعمال في كتب العهد القديم والعهد الجديد وفي مواضيع كثيرة.
وعندما طلع فجر السعادة من أفق البطحاء وعندما طلعت علامة انقضاء الليل وزالت الظلمة وانقضى وقت الرؤيا وجاء موعد المشاهدة لهذا سُدّ باب النبّوة يعني نزول الإلهام بالرؤيا ختم بحضرة الرسول، وتبدّلت الحقائق الإلهيّة التي كانت تفيض على أنبياء بني إسرائيل الرؤيا إلى الرؤية والمشاهدة من قبل حضرات الأئمة الأطهار، واتّضح عندها معنى حديث (لا نبيّ بعدي) والحديث الصحيح (علماء أمّتي أفضل من أنبياء بني إسرائيل). وبدّلت عبارة (كذا رأيت في الرؤيا) التي ذكرت في كلمات الأولين بعبارة (كأنّي أرى وكأنّي أشاهد).   - أبو الفضائل في كتاب الفرائد ص ١١٣
وجاء في قاموس الإيقان ج١ ما يلي:
إن الآية الكريمة ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ "الأحزاب ٤٠" قد نزلت في مناسبة معينة عندما تزوج حضرة الرسول مطلقة زيد بن حارثة ابنه بالتربية وهي زينب بنت أميمة بنت عبد المطلب. وقد زوجها الرسول لزيد وكان عبداً حرره وبعد طلاقها من زيد تزوجها حضرته، فطال لسان المنافقين والمشركين عليه لأنه تزوج مطلقة ابنه مع أنه حرم ذلك على المسلمين بدليل الآية ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ...﴾ إلى قوله تعالى.. وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ﴾ "سورة النساء" فنزلت الآية ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ...﴾ أي أن زيداً لم يكن ابن حضرة الرسول، ولا يحق للولد المتبنى نفس حقوق الولد الشرعي بل إن محمداً أبا الأمة الإسلامية بشكل عام.   -
يتفضّل حضرة بهاءالله في كتاب الإيقان بقوله:
إنّ الحاملين لأمانة حضرة الأحديّة الّذين يظهرون في العوالم الملكيّة بحكم جديد وأمر بديع، لمّا كانت هذه الأطيار – أطيار العرش الباقي – ينزلون من سماء المشيئة الإلهيّة، ويقومون جميعًا على الأمر المبرم الرّبّانيّ، لهذا هم في حكم نفس واحدة، وذات واحدة. إذ إنَّ الجميع يشربون من كأس المحبّة الإلهيّة، ويُرزقون من أثمار شجرة التّوحيد. ولمظاهر الحقّ هؤلاء مقامان مقرّران، أوّلهما مقام صرف التّجريد وجوهر التّفريد، وفي هذا المقام لو تدعو الكلّ باسم واحد وتصفهم بوصف واحد فلا بأس في ذلك، كما يقول: ﴿لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾ لأنَّهم جميعًا يدعون النّاس إلى توحيد الله، ويبشّرونهم بكوثر الفيض والفضل الّذي لا يتناهى، وكلّهم فائزون بخلعة النّبوة، ومفتخرون برداء المكرمة. ولهذا يقول محمّد نقطة الفرقان: "أمّا النّبيون فأنا" وكذلك يقول: "إنّي آدم الأوّل ونوح وموسى وعيسى". وكما نطقت الطّلعة العلويّة بهذا المضمون، وظهرت من مجاري البيانات الأزليّة، ومخازن اللآليء العلميّة، أمثالُ هذه البيانات المشعرة بتوحيد مواقع التّجريد ممّا هو مدوّن في الكتب. وهذه الطّلعات هم مواقع الحكم ومطالع الأمر. وهذا الأمر مقدّس عن حجبات الكثرة وعوارض التّعدّد ولهذا يقول: ﴿ وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ ﴾ ولمّا كان الأمر واحدًا فلا بدّ أن يكون مظاهر الأمر أيضًا واحدًا. وكذلك نطق أئمة الدّين، وسرج اليقين في الدّين الإسلاميّ – قالوا: أوّلنا محمّد، وآخرنا محمّد، وأوسطنا محمّد.
...إنَّ هذه الأنوار قد ظهرت من مصباح واحد، وهذه الأثمار قد أتت من شجرة واحدة، فلا فرق ملحوظ بينهم في الحقيقة ولا تغيير مشهود... ولهذا فإن نقطة البيان روح ما سواه فداه قد شبّه شموس الأحديّة بالشّمس، ولو أنّها تطلع من الأوّل الّذي لا أوّل له إلى الآخر الّذي لا آخر له، فإنّما هي هي تلك الشّمس. والآن لو يقال بأنَّ هذه الشّمس هي هي الشّمس الأوليّة فهو صحيح. ولو يقال عنها بأنَّها رجوع تلك الشّمس فهو صحيح أيضًا. وكذلك يصدق من هذا البيان ذكر صيغة الختميّة على طلعة البدء وذكر صيغة البدئيّة على طلعة الختم، لأنَّ ما يقوم به طلعة الختم هو هو بعينه ما قام به جمال البدء. وبالرّغم من وضوح هذا المطلب لدى الشّاربين من صهباء العلم والإيقان، فإنّه مع ذلك، كم من النّفوس بسبب عدم البلوغ إلى معناه، قد احتجبوا بذكر خاتم النّبييّن، وصاروا محجوبين وممنوعين عن جميع الفيوضات. مع أنَّ الحضرة المحمّديّة قد قالت: "أمّا النّبيون فأنا". وكذلك قالت: "إنّني آدم ونوح وموسى وعيسى" كما سبقت الإشارة إلى ذلك. ومع هذا لم يتفكّروا كيف أنَّه بعد أن جاز لذلك الجمال الأزليّ أن يقول عن نفسه، إنّي آدم الأوّل، كيف لا يجوز له كذلك أن يقول إنّي آدم الآخر. وكما أطلق على نفسه أنَّه بدء الأنبياء أي آدم، كذلك بمثل هذه الكيفيّة يطلق على ذلك الجمال الإلهيّ أنَّه ختم الأنبياء أيضًا. وهذا الأمر واضح جدًّا لأنَّه بعد أن صحّ على حضرته أنَّه بدء النّبيّين، كذلك يصحّ عليه بنفس هذه الكيفيّة أنَّه ختم النّبيّين.
أما سمعوا نغمة طير الهويّة (الإمام علي) القائل: إنّي تزوّجت بألف فاطمة، كلّ واحدة منهنّ كانت بنت محمّد بن عبد الله خاتم النّبيّين. فانظروا الآن كم من الأسرار مستورة في سرادق العلم الإلهيّ، وكم من جواهر علمه مكنونة في خزائن العصمة، حتّى توقن بأنَّ صنعه لم يكن له بداية ولن يكون له نهاية... وأنَّ تقديراته القدريّة أكبر من أن تنتهي بإدراك نفس خلقه موجود من الأوّل الّذي لا أوّل له إلى الآخر الّذي لا آخر له. ومظاهر جماله لم يعرف لها من بداية، وستستمرّ إلى نهاية ما لا نهاية له...
وكذلك فأدرك نغمة الجمال الأزليّ حسين بن عليّ حيث يقول لسلمان ما مضمونه: إنّي كنت مع ألف آدم، والمدّة الفاصلة بين كلّ آدم وآدم خمسون ألف سنة. وقد عرضت على كلّ منهم ولاية أبي. ثمَّ يذكر من التّفاصيل حتّى يقول: إنّي خضت ألف موقعة في سبيل الله بحيث أنَّ أصغر موقعة وأقلّها كانت مثل غزوة خيبر الّتي حارب فيها أبي وجاهد ضدّ الكفار. فَكِدَّ نفسك الآن وأجهدها حتّى تفهم من هاتين الرّوايتين أسرار كلّ من الختم والرّجع والصّنع الّذي لا أوّليّة له ولا آخريّة.
...مع ذلك فالنّفوس الضّعيفة بسبب عدم الإدراك تنكر هذه البيانات المعضلة وتنفي أمثال هذه الأحاديث. بلى لا يعرف ذلك إلا أولو الألباب. قل هو الختم الّذي ليس له ختم في الإبداع، ولا بدء له في الاختراع. إذًا يا ملأ الأرض في ظهورات البدء تجلّيات الختم تشهدون.
وجاء في كتاب الرائد والدليل للنقابة أحمد حمدي:
... وفي مقام آخر نقول: إن جميع المظاهر الإلهية من آدم إلى الخاتم جاءوا للتبشير بلقاء الله، وجميع الكتب السماوية امتلأت بالآيات التي تعد العباد بلقاء الله في يوم الله وظهور طلعة الرب في آخر الأيام. وكان حضرة الرسول آخر من وعد الخلق بلقاء الله وذلك ثابت في أكثر من آية في القرآن الكريم. فكان آخر من تنبأ بالظهور الكلي الإلهي الذي هو حضرة بهاء الله، لذا ختم النبوة وكان من أتى بعده قد حقق لقاء الله في يوم الله.  
... وفي مكان آخر يوضح النقابة أحمد حمدي:
خاتم يقرأ بكسر التاء وبفتحها.
خاتِم: بكسر التاء- آخر من أنبأ من الأنبياء بحضرة بهاءالله وبشر به فيما أنزل عليه من القرآن وتحدث عنه إلى أصحابه.
أما الباب فمع أنه كان المبشر الأعظم بحضرة بهاءالله فهو لم يأت باسم نبي وإنما جاء باسم الباب والمهدي وبأسماء أخرى ليس فيها اسم نبي.
فآخر من بشر به من الأنبياء هو محمد فإنه خاتمهم.
خاتم: ما يتختم به ويتزين فهذا المعنى أن محمداً هو بين الأنبياء حليتهم وزينتهم فهم يتزينون به لكونه منهم.