الخلاف بين البهائيين والمسلمين حول ختم النبوة

إنّ وجه الاختلاف بين المسلمين والبهائيين يتعدّى مجرد التّفسير ومنهجه فالبهائيون يؤمنون بأن محمّداً رسول الله وخاتم النبيين، ما في ذلك شكّ ولا جدال، وذلك هو صريح عبارة الآية ٤٠ من سورة الأحزاب: "مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ." وتؤكّد الأحاديث بصورة قاطعة أنّه لا نبي بعده. وليس في ذلك نزاع. ولم ينسب حضرة بهاءالله إلى نفسه مقام النبوة في أي موضع من كتاباته، بل أكد مراراً أن النبوة ختمت بظهور "من تنورت به يثرب والبطحاء وما في ناسوت الإنشاء". وأما ابنه عباس فقد تلقب بعبد البهاء تبديداً لكل شك، وإعلاناً بأن حقيقته، ونسبته، وظاهره، وباطنه هو مقام العبودية الصرفة، ولا دعوى له، ولا ادّعاء له بأكثر من ذلك. وهكذا ينظر إليه البهائيون. فلا خلاف إذاً بين المسلمين والبهائيين حول ختم النبوة، وإنّما الخلاف هو في ما يترتب على ذلك من آثار. فبينما ذهبت الكثرة الغالبة من علماء المسلمين إلى أن ختم النبوة يستتبع انتهاء التنزيل وانقطاع الوحي، وتوقف الرسالات، وانعدام المزيد من الأديان، لم يرتب البهائيون عليه ذلك. فهم يرون أن تنزيل كلمات الله لهداية خلقه هو سنّة سنّها الله.. "فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً." – (فاطر ٤٣) – وقوله تعالى في القرآن الكريم: "يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ" – (الأعراف ٣٥) - جاء مطلقاً يترك الباب مفتوحاً لمجيء المزيد من الرسل مستقبلاً ومن ثم لتتابع الأديان.
ويوفق البهائيون بين ختم النبوة واستمرار تنزيل الأديان بعدة نظريات يكفينا منها هنا واحدة، ألا وهي نظرية الدورات الدينية. فكما أن للحياة الطبيعية دورات فكذلك للحياة الروحية أيضاً دورات، تتمثل في تعاقب الأديان وما يتبعها من حضارات.
فلا يُعقل أن يكون الجانب الروحي للحياة، وهو الأصل والجوهر، أقل دقة وتنظيماً من جانبها العارض المادي. ولكل دورة من هذه الدورات أهدافها ومعالمها المميزة لها. فهي بمثابة الدورات التعليمية التي يتدرج فيها الطالب لتحصيل المعرفة من ابتدائية، وثانوية، وجامعية إلخ. والدورة التي بدأها آدم وكان هدفها التعليم والتوحيد، ومن معالمها أحاديث الأمثال والنبوءات، قد ختمها محمد بن عبد الله. فختم النبوة، وفقاً لهذا النظر، إنما يعني انقضاء مرحلة من مراحل التطور الروحي للبشرية. ومجيء حضرة بهاءالله هو إيذان بدخولها في مرحلة جديدة تختلف عن سابقتها في معالمها، وأسلوبها، وأهدافها وإن كانت تربطها بها أوثق الروابط. ولهذا، إذا كانت البهائية لا تناقش بتفصيل وإسهاب إثبات وحدانية الله فمرجع ذلك أنها تأخذها مسلّم بها، سبق إثباتها وتعليمها في الدورة السابقة، ولكن البهائية لا تبرح قيد شعرة عن مبدأ التوحيد، فإنة الأس المكين، وأساس مقومات الدين. إلا كان ذلك نكوصاً على الأعقاب مخالفاً لقانون التقدم والترقي.
وفي أحد الألواح يتفضل حضرة بهاءالله:
هذا لظهور يظهر نفسه فيكلِّ خمسمائة ألف سنة مرة واحدة، كذلك كشفنا القناع وأرفعنا الأحجاب طوبى لمن عرف مراد الله، من عرفه يفرح قلبه ويستقيم على الأمر على شأن لا يزله من في الإبداع، قد كشفنا في هذا اللوح سراً من أسرار هذا الظهور وسترنا ما هو مكنون لئلا ترتفع ضوضاء الفجار.   - لئالئ الحكمة ج١ ص ٦٥