الرّدة

ورد في الحديث عن المرتدين صراحة في القرآن الكريم في أربعة مواقع هي:
وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ.   - سورة البقرة ٢١٧
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ.  - سورة المائدة ٥٤
إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ. ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ.  - سورة محمد ٢٥، ٢٦
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِينَ. يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ.   - سورة المائدة ٢٠، ٢١
من بدّل دينه فاقتلوه   - حديث شريف
معنى الكفر:
الكفر في جميع الكتب السّماوية وبخاصة القرآن الكريم يعني عدم الإيمان بالله ورسله. وهذا يتحقق عند ظهور كل رسول جديد بقوله تعالى: "أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُون." (البقرة ٨٧). والبهائيون يؤمنون بالله ورسله وكتبه فضلاً عن أن الشخص الذي كان يكفر بالله من قبل أصبح بعد أن عرف البهائية يؤمن بالله وبجميع رسله وأنبيائه وكتبه واليوم الآخر. والكفر معناه في اللغة ضد الإيمان والبهائيون مؤمنون وإذاً فوصف الكفر لا ينطبق عليهم. ثمّ إنّ الذي يحكم بالكفر والإيمان هو الله سبحانه وتعالى حسب قول رسوله (ص) "من كفر مؤمناً فقد كفر."
معنى الارتداد:
الارتداد يعني النكوص بعد الإيمان، والرجوع إلى الدين السابق كما حدث في الإسلام بعد انتقال النبي (ص) إلى الرفيق الأعلى. وقد جمع علماء الأمة على أنّ من استهزأ بأمر من أوامر الرّسول أو رفض آية أو حرفاً من كلام الله فقد كفر وارتدّ.
معنى الزندقة:
"إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً" (النساء ١٣٧). فالزندقة بالتعريف الشرعي هي تكرار الردة مع إظهار الإسلام.
متى يعتبر المسلم مرتداً:
وضع العلماء عدة (أمثلة) تدل على الكفر ويعتبر ممارستها ارتداداً:
- إنكار ما علم من الدين بالضرورة كإنكار القرآن أو النبوة أو الملائكة.
- تحريم ما أجمع عليه المسلمون بحله أو تحليل المحرم.
- ادعاء النبوة أو نزول الوحي.
- سبّ النبيّ أو سبّ الدين أو الطعن في الكتاب أو السّنة.
- الاستخفاف بكتاب الله والحديث أو أسماء الله الحسنى أو أمر من أوامر الله.
قصة الردة عبر الأديان:
- الفتوى التاريخية التي أصدرها علماء اليهود بقتل سيدنا عيسى عليه السلام باعتباره مرتداً، وباعتبار أن قتل المرتد نص صريح في التوراة نفسها. لقد اعترض قيافا وحنانيا رجلا الدين والإفتاء في اليهودية على الدعوة الجديدة كما عارضها الكتبة والفريسيون. وغسل بيلاطس الرومانيّ يده من اتّهام السيد المسيح قائلاً: (إنّي بريء من دم هذا البار) وطلب إعدام مجرم آخر بدلاً منه ولكنهم أصروا إصراراً عنيداً على ضرورة إنهاء هذه الحياة الغالية الثمينة. وقال أحبار اليهود للمسيح "ألسنا نقول حسناً إنّك سامري وبك شيطان." (يوحنا ٨/٤٨)
- حكى القرآن الكريم عن فتوى مماثلة صدرت في مصر ضدّ سيّدنا موسى عليه السّلام، وجاءت بكلّ وضوح وصراحة لا تحتمل أيّ تأويل. "وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ. إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ. فَلَمَّا جَاءهُم بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاء الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ. وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ ." (سورة غافر ٢٣-٢٦)
لقد عارض فرعون مصر رمز القوّة والقانون والقائد الأعلى للجيش وصاحب السّلطة العليا ديانة موسى رغم ما قدمه أمامه وأمام رجاله المختارين من اليد البيضاء والحجج الدامغة والبراهين القاطعة. وقال فرعون لموسى "أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى." (طه ٥٧)
- حكم الإعدام الذي طبق على سيدنا إبراهيم (بالنار)، وغيره من الأنبياء والمرسلين.
- الحكم الصادر على سيدنا محمد وإلصاق أشنع التهم به ومحاولة قتله من قبل الزعماء قريش من أمثال أمية بن الصلت وأبو جهل وأمية بن خلف والحارث بن كلدة والنضر بن الحارث وغيرهم. حدث هذا وهم كانوا يعرفونه قبل دعوته بالصادق الأمين صاحب الخلق العظيم وهم كانوا زعماء القبيلة الذين يُلتجأ إليهم لحل المشاكل وإصدار الأحكام في الخلافات. وجاء في القرآن الكريم "وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ." (الصافات ٣٦)
أوّلاً: لا بد أن ننتبه إلى الفرق الذي تعرفونه بين المعنى العام والمعنى الخاص للإسلام. وقد تطرقنا إلى هذا في الحديث عن معنى الإسلام. أما المقصود بالإسلام في موضوع الرّدّة فهو الإسلام بالمعنى الخاص وهو رسالة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام.
ثانياً: إنّ الردّة هي جزء أو نوع من حريّة العقيدة والتّسامح الدينيّ، وهي جزء من موضوع كبير فهناك مجالات من الحرية الدينية والارتداد في الشريعة الإسلامية يعتبر من أهمها وأخطرها.
ثالثاً: مفهوم الارتداد في الإسلام هو الخروج عن الإسلام بمعنى انتهاء الخضوع لشعائره سواء في ذلك اعتناق أي عقيدة أخرى سابقة أو لاحقة أوعدم اعتناقها بشرط أن يظهر للناس ما يدل على إنتهاء هذا الخضوع للشعائر الإسلامية فيقال عنه أنّه مرتد. هذا هو الرّأي الذي يجمع عليه الإسلام في العصر الحديث في كل من القرنين التّاسع عشر والعشرين. ويظهر إنتهاء الخضوع هذا إمّا بحديث المرتد أو بتصرفاته ولهذا تعريفات كثيرة في الفقه الإسلامي.
حرية الردّة والإرتداد
في الإسلام:
ظهرت هذه الحرية جلية في أول الدعوة الإسلامية وخصوصاً في بنود صلح الحديبية التي وضعها الرسول (ص)، حيث نصّ في أحدها: "من يأتي من المشركين مسلماً إلى الرسول يردّه إليهم ومن يذهب من المسلمين إلى المشركين فلا حاجة لردّه." لقد غضب كبار الصحابة من ذلك ورأوا فيه إجحافاً بحق المسلمين ولم يدركوا حقيقة أنّ المؤمن الحقيقي لن يتخلى عن دينه ابداً ومن يرتد من المسلمين فإنّه لم يكن مسلماً أصلاً بل منافقاً لا حاجة للمسلمين به.
في البهائية:
جاء في إحدى رسائل بيت العدل الأعظم بتاريخ ٢٤/١٢/١٩٨٨ بخصوص انسحاب الفرد من الأمر المبارك: "إنّ الانسحاب الذي لا خداع فيه من الأمر المبارك جائز وممكن على الدّوام، أمّا إذا كان تهرّباً من الالتزام بأحكام الشريعة الإلهية فلا يمكن السّماح به وفي هذه الحالة يبقى الفرد مستمراً في إيمانه بحضرة بهاءالله وخاضعاً لأمره..."